حكايات كليلة ودمنة (1 من 5)

 

 

قال دمنة لكليلة: يا كليلة، ما الذي غيّر الحال؟ قد شغلتك حالك عن أحوال قومك، فلست من كانوا يرون من سعيك كي يستريحوا، وسهرك كي يناموا، وجوعك كي يشبعوا، فما الذي غيّر الحال؟

قال كليلة: صدقت يا أخي، فأنت والله الناصح الشفيق، لكن لا تعجل علي باللوم قبل أن تسمع عذري، فإن سمعت مقالتي فالأمر بعد ذلك لك، فإما العذر وإما العذل.

 

أويت ذات ليلة إلى فراشي، تعباً مجهداً، قد أثقل النوم جفوني، وأثقل الهم قلبي، فكنت إلى المنام أقرب مني إلى اليقظة، غير أن ثقل الهم ما لبث أن غلب ثقل النوم، فطار النوم عني وجافاني، وبقي الهم في القلب.

نظرت في حالي وحال قومي، فإذا أنا الخاسر الوحيد بينهم، أكدّ وأسعى، وأسهر وأشقى، وأجوع وأعرى، لا همّ لي إلا رخاؤهم، ولا راحة لي إلا في راحتهم، أبيت لا أشعر بالطوى حين يأوون إلى فرشهم ممتلئة بطونهم، قريرة أعينهم، قد أمنوا أُسْد الغاب أن تفجعهم في بنيهم، وكفّوا عن طلب القوت إذ رمى الله بي فرائسهم.

فرغوا من الهم فتفرغوا للحياة، وركبني همهم حتى نسيت معنى الحياة. التفتوا إلى بيوتهم فأصلحوا حال أبنائهم، وتشاغلت بهم عن بيتي حتى لم يعد يعرفني أبنائي.

فتحت لهم الدنيا أبوابها فولجوها وأوغلوا فيها، والدنيا على ما تعرف من التلوّن والتغيّر، فتغيّرت نفوسهم، وغرّتهم النعماء حتى أنستهم سالف أيامهم، وغدا واحدهم أحرص على موت أخيه منه على حياته، بعد أن ظننت أنهم لن يتدافنوا إذ لن يموتوا إلا جميعاً دفاعاً عن بعضهم.

لقد كنت يا دمنة كمن يبني قلعة الرمل في مجرى النهر المتدفق، لا يضع لبنة إلا جرفها التيار، فهو يصارع التيار أبداً، حتى تعبت يداه، وخارت قدماه، فجرفه التيار حتى صار في الماء مع بنيانه.

فأنا مع قومي يا دمنة، أعيش كما يعيشون، وأهنأ كما يهنئون، قد عدت إلى أبنائي فأصلحت حالهم، وأفرغت رأسي من الهمّ كي أتفرّغ للحياة.

فهل في ذلك من عيب؟ قل لي، فأنا إلى رأيك بالأشواق

(نشرت في مجلة الإصلاح (نشرة الراصد سابقاً) – العدد 70- يوليو 1998م)

 يتبع…

شارك بتعليقك

*