حكايات كليلة ودمنة (2 من 5)

 

 

قال دمنة: يا كليلة، لو غيرك قالها! ألم نأخذ على أنفسنا العهد صغاراً ألا نعيش إن عشنا إلا لقومنا؟ نؤمن خائفهم، ونقوّي ضعيفهم؟ وما لذة العيش إن عشت لنفسك، ومضى كل يوم من عمرك كسواه، لا يفرق بين أيامك إلا طلوع الشمس أو مغيب النهار؟ لا يا كليلة: ما هكذا عرفتك، لئن كان قومك قد استراحوا بتعبك، وناموا بسهرك، وشبعوا بجوعك، وارتاحوا بهمّك، فهذا والله هو المجد والعز، وهل يُصنع المجد إلا بعمل الخير؟ وهل يُنال العز إلا بحب الغير؟

 

لا يا كليلة، فلئن كانت الدنيا قد غيرت قومك، فما أنت بالذي تغيّرك الأيام، وما نحن بالذين يرضون السير إلا صعوداً. فكيف تستمرئ من نفسك ما كنت تنكره على قومك؟ يا كليلة: ما ضرك أن تتولى رعاية قومك، فيتولى الله رعاية بنيك وبيتك، وتكون في ذلك كالتاجر صاحب الرغيفين.

قال كليلة: وما خبر ذلك التاجر؟

قال دمنة: ذكروا أن تاجراً تقدمت به السن، وأضعفته الأيام أن يركب البحر ويتابع الأسفار، فأرسل ابنه يتاجر عنه، وأعطاه كل ما يملك، وأوصاه بتقوى الله. وسار الولد حتى بلغ بلاد السند، فلم يشعر هو وأصحابه إلا واللصوص يحيطون بالقافلة، ويسلبون ما معهم، ويسوقونهم في الحديد كي يباعوا في سوق العبيد.

ومرت الأيام، وساءت حال الوالدين، حتى اضطر الوالد إلى العمل في كل يوم برغيفين. واتفق أن كان الأب يوماً عائداً إلى بيته بالرغيفين، فلقيته عجوز مع طفلين لها، وسألته الصدقة، وشكت إليه جوع ولديها، فدفع الوالد الرغيفين إليها، وطوى يومه مع امرأته دون طعام.

وأكرم الله الوالدين بعودة ابنهما، وجلس الابن يقص عليهما كيف أن اللصوص أجاعوه وأصحابه حتى أشرفوا على الهلاك، فخرج إليه رجل من بين الأشجار، فقدم إليه رغيفين، وفك قيوده وأعاد إليه أمواله، وقال له: قل لأبيك، إن الكريم يأبى إلا أن يكافئ ويزيد.

قال كليلة: قد فصّلت وأجدْت، لكن قل لي: كيف يرتاح القلب وهو يرى الناس ملتفتين إلى الدنيا، قد فتح الله عليهم باب النعم؟ قل لي: كيف لا يتحرك القلب طلباً للراحة والنعماء؟ وما ضرّني أن أتنعم في الدنيا كقومي، أهنأ كما يهنأون، وأطلب من الدنيا مثل الذي يطلبون؟

(نشرت في مجلة الإصلاح (نشرة الراصد سابقاً) – العدد 71- أكتوبر 1998م)

 يتبع…

 

شارك بتعليقك

*