حكايات كليلة ودمنة (4 من 5)

 

ثم إن كليلة التقى دمنة من الغد، فقال له: يا دمنة، قد وعدتني أن تضرب لي مثلاً في من ينسيه جمالُ الطريق ورغدُ العيش سموَّ الهدف وخطورة الغاية، حتى يكون ذلك وبالاً عليه وعلى قومه.

قال دمنة: صدقت. زعموا أن جماعة من الأرانب كانت تعيش في أرض كثيرة الثعالب، وقد استحر فيها القتل حتى أوشكت على الفناء. فأجمعوا أمرهم على الرحيل من ذلك المكان، وأرسلوا واحداً منهم عرفوه سريعاً شجاعاً ليستطلع لهم الطريق، ويجد لهم بقعة آمنة يقيمون فيها ويعيشون.

وكان الأرنب كما عرفوه، غير أنه كان مع سرعته وشجاعته قليل العقل، كثير الطيش. فانطلق الأرنب وسط الغابة وسار فيها أياماً يبحث عن مكان لقومه دون جدوى.

ثم إنه في طريق عودته مرّ بواد كثير الزرع، وفير المياه، لا تقطنه السباع ولا تعرفه، فوقف يتأمل جمال المنظر، ويتخيل نفسه وقومه آمنين فيه ومطمئنين. فقرر النزول إلى الوادي ليستطلع المكان عن قرب، وليتزود ببعض الطعام لرحلة العودة المظفّرة، فهاله ما رأى من أنواع الطعام ووفرته، وأحس بنشوة النصر ولما يأته النصر.

فجلس في ذلك الوادي يأكل ويشرب، ويمنّي نفسه بالعودة الميمونة إلى قومه، ينقذهم من أنياب الثعالب وبراثن السباع. حتى أنساه رغد عيشه شقاء قومه، وحاجتهم إلى عمله. وبقي الأرنب في رغد عيشه، حتى ظفرت به يوماً إحدى ذوات الأنياب، وعاش قومه في انتظاره فترة من الزمن، حتى فني المنتظرون.

فانظر يا كليلة إلى هذا الذي شقي به قومه، وقد كانوا يؤملون منه الفرج والسعادة، فلا هم انتفعوا به، ولا هو قوي بقربهم.

يا كليلة: إن سعادة الإنسان بالراحة والدعة لا توازي سعادته بحب الناس له، واعتمادهم عليه. فاختر لنفسك يا كليلة، إما حياة لنفسك أو لقومك، والأمر لك.

(نشرت في مجلة الإصلاح (نشرة الراصد سابقاً) -العدد 73- فبراير 1999م)

يتبع…

 

2 تعليقان على “حكايات كليلة ودمنة (4 من 5)”

  1. وردة الرمال أضاف بتاريخ

    شكرا لكم

  2. وردة الرمال أضاف بتاريخ

    راائع

شارك بتعليقك

*