حكايات كليلة ودمنة (5 من 5)

مطر

من وحي الخاطر

حكايات كليلة ودمنة (5 من 5)

(نشرت في مجلة الإصلاح (نشرة الراصد سابقاً) -العدد 74- يونيو 1999م)

قال كليلة: يا دمنة، لقد والله بيّنت فأحسنت البيان، ومثّلت فأتقنت المثال، وإنني قد عاهدت نفسي أن أعيش لقومي ما حييت، حياتي حياتهم، لا أذوق طعم الراحة إلا في راحتهم. فقل لي يا دمنة، ما يمنعني أن أعمل لقومي فرداً إن أنا أخلصت لهم، وعزمت على خيرهم وعزهم؟

قال دمنة: قد علمت قصدك يا كليلة، وإنني يا صاحبي ما علمت أحداً عمل بمثل ما تقول إلا انتهى به الأمر كما انتهى بقطرة المطر.

 

قال كليلة: وما الذي كان من أمرها؟

قال دمنة: زعموا أن قطرتي مطر التقتا في سحابة بيضاء، فقالت إحداهما: يا أختاه، ألا ترين الأرض من تحتنا قد أجدبت، والخلائق فيها قد شكت، فهلمي بنا نهوي إليهم، فلعلنا ننبت لهم زرعاً أو نروي لهم عطشاً. فقالت الأخرى: لا يا أختاه، إننا لا نساوي لأهل الأرض شيئاً إلا باجتماعنا، فانتظري حتى تجتمع صواحبنا إلينا، ثم نسقط إليهم جميعاً ففي ذلك خير لهم، وأبقى لعملنا. ولكن الحماس كان قد استبد بالأولى، وحادت عن الصواب وإن لم ترد إلا الخير. فتهاوت إلى الأرض، غير أنها ما لبثت أن استقرت بواد غير ذي زرع، قد اشتد حره، وأوقدت أشعة الشمس على صخوره حتى استحالت جمراً من غير نار، فما أحس بها زرع ولا حيوان.

وأما الأخرى فانتظرت، حتى اجتمعت إليها صويحباتها، فإذا بالغيمة البيضاء أضحت سواداً يغطي السماء، ويحجب أشعة الشمس بغشاء من ماء. وأرعدت السماء وأبرقت، وانهمر الماء، ونزلت قطرة المطر وهي تصرخ في سعادة: أنا قطرة ماء صغيرة، غير أني مع قومي أصنع المعجزات بإذن ربي. أنا قطرة ماء صغيرة، لكنني في نهر جارٍ يشق الصخر ليصنع الوديان. أنا قطرة ماء صغيرة، لكن نهري يحيل جدب الأرض حياة تملؤها الخضرة والجمال.

أنا قطرة ماء صغيرة، غير أن الحياة علمتني أن بالاتحاد على الخير يُصنع الخير، وتستمر الحياة. علمتني أن الخير في الجماعة، وأن في الانفراد يكون الفناء.

 

4 تعليقات على “حكايات كليلة ودمنة (5 من 5)”

  1. الملكة أضاف بتاريخ

    راائعه

    لم اتركها حتى انتهيت منها

    تقبل مروري

  2. الملك أضاف بتاريخ

    وأنا أيضا ما تركتها حتى التهمتها التهاما

  3. رجفة قلم أضاف بتاريخ

    الكرام: الملك والملكة
    ملكتما علي لساني، أثني على ما قلتما
    وأهلا بكما في المدونة

  4. حليمة أضاف بتاريخ

    السلام عليكم و شكرا جزيلا

شارك بتعليقك

*