مسرحية لا تنتهي

 (نشر في صحيفة النبأ الأسبوعية البحرينية – العدد 19- 22/10/2008)

 

في الوقت الذي ستأخذ فيه هذه السطور طريقها للنشر، سيكون البعض قد حجزوا مقاعدهم في الصفوف الأمامية، وتسمروا هناك ينتظرون رفع الستار. ولست ألومهم، فهؤلاء تعودوا التسابق ليكونوا في المقدمة، مهما كان النص هزيلاً، والتمثيل عبثياً، فليس المطلوب عندهم أن يشاهدوا فناً راقياً ولا فكرة هادفة، بل المطلوب فقط أن يرضى عنهم الكبار.

المسألة وما فيها يا كرام أن هذه المسرحية ليس لها نص مكتوب، ولا نهاية معروفة، ولا أبطال دائمون. تتغير فصولها وأحداثها بتغير الظروف ومرور السنوات. إنها ملهاة بكل المقاييس.

نحن في هذا المسرح يا سادة أربعة أصناف: سرّاقٌ أفاكون، يضحكون على الناس، ويسلبونهم حقوقهم. وممثلون (كومبارس) قيل لهم -وصدَّقوا-: إنكم ستقبضون أجوركم عند انتهاء المسرحية، فتراهم يلهثون في كل اتجاه، يمنّون أنفسهم بالغنيمة، ولو علموا لرضوا من الغنيمة بالإياب. وجماعة من علية القوم يجلسون في مقدمة الصفوف لا لشيء إلا لتسجيل الحضور، وليوصفوا بالانفتاح والاعتدال والتنوّر، وجمهور عريض مغلوب على أمره، لا يدري متى وعلام ينتهي كل هذا.

بالأمس بدأ فصل جديد من فصول المسرحية، عنوانه هذه المرة (المبادرة السعودية)، فقد اكتشف الصهاينة فجأة أن المشهد الحالي لم يعد صالحاً، وأنهم بحاجة إلى تغيير في النص يتناسب مع تغيير الوجوه، ولا بأس بذلك، فالمسألة كلها لا تعدو أن تكون كسباً للوقت، وضحكاً على ذقون “المتفرجين”.

يوم الأحد الماضي قال وزير الدفاع الصهيوني إيهود باراك إن قادة (إسرائيل) يبحثون تحقيق خطة السلام السعودية التي تؤيدها العناصر العربية “المعتدلة” في أنحاء الشرق الأوسط. بينما قال رئيس الكيان الصهيوني بيريز في لقائه مع زعيم حزب (شاس) الصهيوني المتطرف إن من الخطأ إجراء مفاوضات منفردة مع الأطراف العربية لأن (إسرائيل) تدفع الكثير في المفاوضات المنفردة وتحصل على القليل! وقد ألمح باراك إلى هدف الصهاينة من هذه الخطوة حين قال: “إن قلقا مشتركا عميقاً يربط بين إسرائيل والدول العربية المعتدلة حيال إيران وحركة حماس وحزب الله”.

وهكذا فإنه كان على المشهد السابق أن ينتهي بعد أن وصلت مفاوضات السلام المنفردة الفاشلة إلى طريق مسدود، وبعد أن كسبت منها (إسرائيل) الكثير على حساب الحقوق العربية والفلسطينية، واستطاعت بها أن تخترق الصف العربي، وتجد لها مرحبين بين العرب من المحيط إلى الخليج.

ولأن المسألة لا تعدو كونها مسرحية هزلية هزيلة، فإن أحداً لن يعترض على تغيير النص، ولا على كون من يقوم بدور حمامة السلام في المشهد الجديد، هو الإرهابي الصهيوني إيهود باراك.

المؤلم في الأمر أن أحداً لم يعد يجرؤ على مغادرة المسرح احتجاجاً على هذا الإسفاف. والأكثر إيلاماً أننا سنسمع في الأيام القادمة من سيمتدح هذه الخطوة الصهيونية، ليستمر المشهد المقرف، حتى يحين موعد تغيير النص، في هذه المسرحية التي لا تنتهي.

شارك بتعليقك

*