الأشجار الإعلانية

(نشر في صحيفة النبأ الأسبوعية البحرينية – العدد الأول – 18 يونيو 2008م)

ما الذي يحدث هذه الأيام؟ ما هذا السباق المحموم لنصب اللوحات الإعلانية في الشوارع؟

أنا أفهم أن المجالس البلدية مطلوب منها أن تنمي مواردها المالية الذاتية، والإعلانات وسيلة من وسائل جني الأموال.

لكنني لا أظن أن مهمة المجالس البلدية جني الأموال، بقدر ما هي المحافظة على النظافة، والتنافس في تزيين البلاد وتجميلها.

كنا قديماً نسمع عن يوم الشجرة، حين تزرع الأشجار في الطرقات والحدائق، ثم كبرنا فرأينا كيف قررت البلدية أن تغير اللون الأخضر إلى الأحمر، وأن تستبدل بالعشب والزراعة الطوب والإسمنت. ثم مرت الأيام، وجاءت المجالس البلدية فصارت تزرع اللوحات الإعلانية في الشوارع بعد أن كانت تزرع الأشجار.

قبل مدة كنت أستمع إلى أحد برامج التوعية المرورية، وكان ضيف البرنامج ينبه السائقين إلى ضرورة تجنب تعليق أدوات الزينة في السيارات، لأنها -كما يقول- تشتت انتباه السائق، وقد تتسبب في وقوع الحوادث. ولا أدري في الحقيقة ما هو رأي الإدارة العامة للمرور، ولجنة السلامة على الطريق -إن كانت لا زالت على قيد الحياة- في هذه الإعلانات التي تملأ أرصفة الشوارع، ووسط الطرق السريعة، أليست هذه أكثر خطراً على السائقين ومستخدمي الطرق من زينة السيارات؟

في الولايات المتحدة، أصدرت أربع ولايات أمريكية قوانين تمنع اللوحات الإعلانية في الشوارع، وبررت السلطات قوانينها بأن هذه اللوحات تشوه الجمال الذي اشتهرت به هذه الولايات، وأن من شأن هذا المنع أن يحافظ على سمعة هذه الولايات وجمالها في عيون السائحين، وأن يحافظ بالتالي على صناعة السياحة فيها. كما وضعت ولايات ومدن أمريكية أخرى قوانين صارمة تحد من حجم، ونوع، وعدد اللوحات الإعلانية المسموح بوضعها في الشوارع، محافظة على الجمال من ناحية، وتعزيزاً لإجراءات السلامة على الطرق من ناحية أخرى.

أما عندنا، فإنك تخرج من بيتك في المحرق مثلاً، وتقطع البحرين طولاً وعرضاً، فلا تقع عينك أينما التفت إلا على لوحات الإعلانات.

كنت كلما عبرت جسر الشيخ عيسى في طريقي إلى المنامة أقول لأولادي: أنظروا يا أولادي إلى البحر، متعوا أعينكم بالنظر إليه ما دام موجوداً، فقد تصبحون ذات يوم فلا تجدونه. أما اليوم فلم يعد بإمكاننا رؤية البحر، لا بسبب الدفان فحسب، ولكن بسبب هذه اللوحات الإعلانية الضخمة التي صارت تطلع كل يوم على جانبي الطريق كنبتات شيطانية، فتحجب عن عيوننا منظر البحر وجمال الأفق، ولا أدري، فقد تغري عوائدها المالية مجالسنا البلدية ذات يوم فتحجب بها عنا زرقة السماء.

جميل أن ننظم حملات التوعية بالنظافة، وأن نقيم لها المهرجانات والتجمعات، لكن على المجالس البلدية الموقرة أن تفهم أن النظافة ليست فقط في النظافة الحسية، وأن التلوث لا يكون فقط بفعل المواد الكيميائية. إن التلوث قد يطال الجمال فيقضي عليه، وحينها يحق لنا أن نتساءل، لماذا ننفق الأموال على تجميل الشوارع، إن كنا نهدم بأيدينا ما بنيناه، حين نمنح رخص الإعلان دون حساب؟!

هل مر أحد منكم في شارع خليفة الكبير مؤخراً، هل استمتعتم بمنظر الساحل الجميل الذي كان محجوباً عن الأنظار طوال هذه السنوات؟ إنه جمال يسر الناظرين، لكنني أخشى أن تمتد إليه تراخيص البلدية، لنفتح عيوننا ذات يوم فلا نرى فيه إلا أشجار الإعلانات!

 

شارك بتعليقك

*