شعور في الغربة

 

“الصحة تاج على رؤوس الأصحاء، لا يراه إلا المرضى”. مقولة سليمة، لكن هذا القول ينطبق على كثير من الأمور في حياتنا، نعايشها كل يوم، ولا نحس بها إلا عند فقدها.

أجلس الآن أذاكر، الساعة تشير إلى الثالثة والنصف بعد الظهر، يرتفع فجأة صوت من بعيد. دون شعور، أغلق الكتاب وأقول: (الله أكبر)، وأتوقف للحظة.. الله أكبر؟! نعم، الله أكبر.. لكن هذا الذي سمعت ليس صوت الأذان. رباه.. كيف غاب عني للحظة أن الأذان لا يرفع هنا في المدينة التي أعيش فيها إلى داخل المسجد؟

رباه.. ما أجمل تلك الراحة الوقتية التي أحسست بها حين ظننت أن ذلك الصوت البعيد هو صوت الأذان. رباه.. ما أشد شوقي إلى صوت الأذان يشق عنان السماء. رباه.. كم مرة سمعت فيها الأذان من قبل، ولم أتذكر حتى الترديد خلف المؤذن؟ كم مرة سمعت الأذان في وقت انشغالي فقلت دون شعور: يا أبي، هلا انتظرت قليلاً!

لقد كنت أسمع الأذان كل يوم، لكنني لم أشعر بتأثيره إلا يوم افتقدته.

أمور كثيرة أفتقدها اليوم، وقد كانت قبل أسابيع عندي دون أن أشعر بقيمتها. لكن من أعظم الأمور التي أفتقدها اليوم.. أنتم، أنتم يا إخوتي. أتذكركم كلما رأيت مسلماً في هذه البلاد، يمد يده إليّ بعد الصلاة مصافحاً مبتسماً. أتذكركم كلما احتجت إلى النصح والتوجيه. أتذكركم وأنا أرى الإسلام يوحّد الصفوف في الصلاة، ويؤلف بين القلوب في كل مكان.

أتذكركم.. وأدعو لكم بظهر الغيب.. وأتساءل: إنني معهم بقلبي، فهل مررت بخاطرهم؟

إخوتي: إن مررت بخاطركم يوماً فتذكروني بدعوة صالحة في دبر الصلاة.

(كتبت في ولاية أريزونا الأمريكية ونشرت في مجلة الإصلاح (نشرة الراصد سابقاً) – العدد 44 – نوفمبر 1994)

5 تعليقات على “شعور في الغربة”

  1. بو ياسر أضاف بتاريخ

    والله أيام يالخال..

    أستطيع أن أـخيل شيئا من مشاعرك.. ولكنني بالتأكيد لا أستطيع معايشتها واقعا!

    الحمد لله، قد يكون الشعور الذي وجدته عندما كنت هناك، سببا يجعلك تتذوق لذة الصلاة في المسجد أكثر من أي أحد آخر.

    لا فرق الله الشمل وأدام الاجتماع بين الأحباب.

    تحية مزجاة إليك، وشكر على ما خطت يمينك (أو يسارك)

    بو ياسر

  2. رجفة قلم أضاف بتاريخ

    أهلا بالزائر الدائم بوياسر
    شرفتنا
    أسأل الله أن يذيقنا لذة الصلاة. وألا يحرمنا ذلك الشعور بعد أن أصبحنا نتذوقه كل يوم.

    والله يا بوياسر عشنا حتى أصبح الواحد منا لا يستطيع أن يقول للآخر (بوركت على ما خطت يمينك)، إذ أصبح الواحد يكتب بأصابع اليدين معاً 🙂

    تحياتي لك

  3. رفيق أضاف بتاريخ

    إهية يابو أحمد…

    الغربة كربة… لكن ألا ترى أن العيش في الغربة أفضل بكثير من العيش الآن..

    ألا تحس بالغربة الآن وأنت بين أهلك واخوانك…

    والله أنا أحسها كل ما خرجت من باب البيت… وبالذات مع الإخوة في مجالسنا …

    ما تشوف أن اعتبارات الناس تغيرت … والمادة هي الميزان …

    الناس صارت تأذن وتأم الناس وهي اللي تقول الأذان لكن الأذان ما يصل إلى أسماعهم والقيم ما تصل إلى نفوسهم فكيف تصل إلى قلوب الناس…

    الله يرحمنا برحمته … ويرزقنا غربة … على الأقل نتذكر الناس من دون ما نقع تحت ظلمهم…

  4. رجفة قلم أضاف بتاريخ

    رفيق… يا رفيق..

    يقولون، أصابع اليد ليست واحدة
    ويقولون أيضا: الذهب لا يتغير

    نعم أتفق أن بعض الناس تغيرهم الدنيا، لكني أعرف الكثيرين، الذين هم في نظري أغلى من الذهب، لا يتغيرون مهما تغير الزمان، ولو شئت لعددتهم، ولطالت القائمة.

    تعليقك ينطبق عليه قول طرفة: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة…على النفس من وقع الحسام المهند
    ولا ألومك، فهذا من واقعنا المحزن

    لكني -حين أنظر إلى نصف الكأس الممتلئة- أتذكر قول الشاعر
    بلدي وإن جارت علي عزيزة…وأهلي وإن جاروا علي كرام

    أما إخواني الذين اشتقت إليهم في تلك الأيام فأولئك الذين ينطبق عليهم قول الشاعر:
    ولي إخوة يسقي الضياء وجوههم…أقلهم نورا أوان الدجى بدر

    لا أذاقك الله عذاب الغربة، فإن كان ولا بد فجلعها الله هانئة سعيدة

  5. بنت الخالدات أضاف بتاريخ

    أيام الغربه ظاهرها شر وألم ولكن لابد أنها تحمل في طياتها العديد من الذكريات الجميله..

    خالي العزيز..

    الحمدلله على نعمه التي لاتعد ولاتُحصى..

    موضوع جميل جداً والأجمل أن تقرؤه الآن بعد كل هذه السنين ، فلا شك أنك تشعر بالنعمه العظيمه التي فقدتها..

    كتبت:

    (كم مرة سمعت الأذان في وقت انشغالي فقلت دون شعور: يا أبي، هلا انتظرت قليلاً!)

    كم أثّرت فيني هذه الجمله واستوطنت قلبي بكل معانيها وذكرياتها المُفرحه..

    حتى اليوم عندما أسمع صوت الأذان يُتخيّل لي أنه صوت بابا أحمد بل أسمعه بصوت جدّي الحبيب..

    أعيش مع هذا الشعور لبُرهه حتى أستيقظ على الواقع الأليم ..

    لتسكنني بقايا أمنيه: ليتنا سجّلنا صوتك ياجدي الغالي لنسمعه كلما أخذنا الشوق ٌليك والى هذه الأيام، لم نتخيل أن القدر سيكون أسرع ويأخذك منا ..

    رحمك الله ياجدي الحبيب ورزقك الفردوس الاعلى يارب-اللهم آمين..

    وحنيني لك يابو عبدالله..

شارك بتعليقك

*