الثلاثون

رأيته فأنكرته. لقد غارت تلك الابتسامة العذبة على محياه، وتبدل حديثه الذي كان يفيض حماساً وشباباً فإذا عليه مسحة الكهول. عجبت لأمره، ولم أتردد فسألته. قال: لقد ولى الشباب يا أخي، لقد جاءت الثلاثون وانقضت، وإن المرء لا يزال يزيد عمره حتى يبلغ الثلاثين، فإن بلغها بدأ عمره في النقصان. وإن الفتى يرى نفسه يصعد إلى حيث القمة، فإن بلغها (ولا يبلغها حتى يبلغ الثلاثين) لم يلبث صعوده أن يستحيل انحداراً لا يوقفه إلا قعر القبر.

وحسبت عمره فإذا هو يزيد على الثلاثين بعام أو عامين، وتساءلت: أحقاً ما يقول؟ وتفكرت في أمر الناس، فإذا منهم فريقان. قوم يغذون السير إلى الله، قد ضحوا بالدنيا من أجل الله، وزهدوا في متاعها طمعاً بما عند الله. غير أنهم كصاحبي هذا، يصحو أحدهم فيرى الشيبة في رأسه، فتخبو جذوة الحياة من حياته، ويؤثر الكسل والقعود، لا يفصله عن الأجل إلا انتظار الأجل.

وقوم قد عرفوا من الحياة لذتها، فانغمسوا فيها حتى أنستهم ذكر الله، وأعطاهم الله منها حتى زهدوا بما عند الله. ورأيت من هؤلاء من لا تفتح عينيه الثلاثون ولا الأربعون. كلما مر عام زاد تعلقه بالدنيا، يغترف منها قبل أن ينضب ري الحياة من حياته، يرى الشيبة في رأسه فيسرع إليها بالسواد مخافة أن تذكره بحقيقة أمره.

رأيت هؤلاء وتمنيت: ألا ليت لهؤلاء همة أولئك، وليت لأولئك خوف هؤلاء.

ورأيت من الناس قوماً ما هم بهؤلاء ولا بأولئك، منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون. وجلست أبحث عن نفسي بينهم، علني أجدها بين القليل.

(نشرت في مجلة الإصلاح (نشرة الراصد سابقاً) –العدد 75- أغسطس 1999م)

تعليق واحد على “الثلاثون”

  1. أحفاد خالد أضاف بتاريخ

    يا سبحان الله
    هل هذا ما نسميه جلد العصاة وعجز الثقات؟
    اللهم إنا نعوذ بك من العجز والكسل
    اللهم إنا نسألك همة وعملا حتى الممات

شارك بتعليقك

*