حين تُعتبر المعصية توفيقاً من الله

(نشر في صحيفة النبأ الأسبوعية البحرينية – العدد 43 – 15/4/2009)

قبل ثلاثة عقود تقريباً، كنا نترقب في كل ليلة من رمضان برنامج المسابقات، ونحضر الورقة والقلم ونستمع باهتمام إلى سؤال المسابقة. حينذاك، كان على المشاهد أن يتابع البرنامج في كل ليلة من ليالي رمضان، وكان عليه أن يجمع الإجابات ثم يرسلها كاملة بالبريد إلى التلفزيون، لعلّ وعسى.

وعلى الرغم من أننا لم نكن من النوع الذي يتوقع أن يظهر اسمه على قصاصة الورق التي تلتقطها يد طفل صغير من بين عشرات الآلاف من الأوراق التي كانت تدور بها رحى الصندوق الكبير أمام عدسات التصوير، فإننا كنا نجد في هذه المسابقات شيئاً من المتعة والتحدي والفائدة، فقد كانت أسئلة المسابقات تضيف شيئاً ولو قليلاً إلى معلومات المشاهدين.

ويبدو أن القائمين على محطات التلفاز آنذاك استكثروا هذا القدر اليسير من الفائدة التي كان يحصل عليها المشاهد من بين ساعات من الغثاء وتضييع الوقت، إذ أذكر أننا كنّا نفاجأ بإجابات المسابقات مطبوعة على أوراق التلفزيون الرسمية عند بعض معارفنا، فكانت تتلقفها الأيدي لتنسخها، دون أن يبذل أصحابها فيها جهداً، أو “يضيّعوا” في مشاهدة أسئلتها وقتاً.

ثم تقدمت تكنولوجيا الاتصال شيئاً فشيئاً، فاستغلها القائمون على المحطات لجمع الأموال، إذ كانوا يطلبون من المشاهدين تسجيل أسمائهم للمشاركة في المسابقات عن طريق الاتصال بأرقام خاصة عالية الكلفة. وأذكر يومها كيف استغل كثير من “الأذكياء” خطوط الهاتف في الوزارات والشركات لإجراء هذه الاتصالات، بينما فوجئ الأقل “ذكاء” بعد العيد بفواتير تقصم الظهور.

ومع ودخول الهواتف النقالة ورسائلها القصيرة إلى كل بيت، وتوفرها في كل يد، ومع انتشار القنوات الفضائية، وتحقيقاً لأهدافها الساعية إلى تحقيق الربح المادي ولو على حساب القيم والمبادئ وحدود الشرع، تطورت المسابقات التلفزيونية، فصارت تُبثّ في كل وقت وحين، لا في رمضان فقط، وصارت قيمة جوائزها تصل إلى مئات الآلاف من الدولارات التي يسيل لها لعاب كثير من المشاهدين.

ولأننا لم نعد نتوقع من هذه كثير من القنوات الفضائية ما يفيد، فإنني لست هنا في وارد الحديث عن نوعية الأسئلة “القيّمة” التي تطرحها هذه المسابقات الحديثة، من قبيل “ماذا يسمى صوت الحمامة؟ هديل أم شهيق أم نهيق؟” أو من قبيل “أرسل حرف (ح) إلى الأرقام المقابلة لبلدك وحقق كل أحلامك”. إن الذي أتعجب منه هو غياب العلماء عن بيان حكم الشرع في الاشتراك في مثل هذه المسابقات، أو غياب الحكومات والجهات الرسمية عن التصدي لهذه الظاهرة التي لا تعدو أن تكون قماراً مقنّناً لا يختلف عن مسابقات اليانصيب في شيء إلا في شكله وأسلوبه.

استفزني تعبير إحدى السيدات في فقرة بثتها إحدى القنوات الفضائية العربية عدة مرات للدعاية لمثل هذه المسابقات حين قالت: “إن الله وفقني للفوز”، فقد وصل الأمر إلى الحد الذي يعتبر فيه البعض لعب الميسر توفيقاً من الله.

2 تعليقان على “حين تُعتبر المعصية توفيقاً من الله”

  1. الفقيرة إلى الله أضاف بتاريخ

    كتبت فأصبت .. هذا حال البعض للأسف !
    جزاك الله خيراً

  2. بو ياسر أضاف بتاريخ

    إي والله صدقت..

    البعض، هداهم الله، يبيعون دينهم بعرض من الدنيا، وللأسف بعض هؤلاء ممن يضمون اسمهم إلى قوائم الملتزمين، ولكنهم يستثنون اسمهم منها عندما يتعلق الأمر بربح مادي من قناة أو مؤسسة أو إذاعة ما!

    جزاك الله خيرا ولا أوقف رجفة قلمك.

شارك بتعليقك

*