الحب في الله.. بين الحقيقة والادعاء

لطالما سمعنا وتحدثنا وقرأنا عن الأخوّة في الله، عن أولئك المتحابين، الجالسين على منابر النور يوم القيامة، يغبطهم النبيون والشهداء لمكانهم من الله.

يا سقى الله زماناً نشأنا فيه على مثل هذه المعاني، فأصبحت القلوب قلباً واحداً، يبشّر واحد القوم ببشرى، فترقص القلوب كلها فرحاً لفرحته، ويأتيه خبر المصيبة فتنقبض القلوب كلها، لكأنما أصيبت بمصيبته.

على مثل هذه المعاني نشأت أجيال الدعاة ودرجت. قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها.

فهل لا تزال هذه المعاني حية في النفوس، تفيض من قلوب الدعاة حباً فيما بينهم، بل تفيض على من سواهم؟

إن لكل شيء علامة، فهل تساءل الواحد منا بينه وبين نفسه عن علامة حبه لإخوانه؟ أم أننا نظن الحب في الله دعوى يتحقق دليلها بمجرد الانتماء إلى دعوة الله؟ تماماً كما يظن البعض أن الإيمان يتحقق بالوراثة، أو أن الجنة تنال بحسن النوايا دون صدق العمل!

تتبعت ما روي في الحب في الله، فوجدت الأمر جدّاً لا هزل فيه، ودعوى لا تُقبل إلا ببينة!

لقد عدّ النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان شرطاً لدخول الجنة، وعدّ الحب في الله شرطاً للإيمان، فقال فيما رواه مسلم: “والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا…”.

ولطالما تساءلت وأنا أسمع الحديث الذي يروى عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، عن صحابي مجهول الاسم، بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة ثلاثاً، فاتّبعه عبدالله فلم يجد عنده كثير صيام أو صلاة، فلما سأله عما سما بمنزلته حتى غدا من أهل الجنة ولمّا يدخلها، قال: “ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً، ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه”، أقول: لطالما تساءلت وأنا أسمع هذا الحديث: أيستحق الجنة أحدٌ لهذا؟

وتأملت، فوجدت الأمر أعظم مما يتصور الكثيرون، وإلا فبالله عليكم أجيبوني: أيستحق جنة الله أحدٌ لهذا؟ أليست الجنة سلعة الله الغالية؟

وتأملت في الدنيا، فإذا كل شيء في الدنيا يدعونا إلى عكس ذلك، فكم في الدنيا ما يدعو إلى الحقد والحسد، والتباغض والشحناء، والتكالب على الدنيا! كم في الدنيا ما يدعو إلى حب الانتقام، والانتصار للنفس، وطلب الاعتذار من الناس، والترفع عن طلب الصفح منهم.

أجيبوني بالله عليكم، من منا يخفض جناحه لإخوانه؟ ويتودد حتى لمن أساء إليه أو ظلمه؟ من منا يتصدق عليهم بعرضه؟ حتى إذا أوى إلى فراشه، وضع على الوسادة رأساً مرفوعاً بالحب، وعلى الفراش قلباً يملؤه الحب!

أخرج البزار ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حث يوماً على الصدقة، فقام علية بن زيد فقال‏:‏ ما عندي إلا عرضي، وإني أشهدك يا رسول الله، أني تصدقت بعرضي على من ظلمني، ثم جلس‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ “أنت المتصدق بعرضك، قد قبل الله منك‏”‏‏.

من منا يخم كل يوم قلبه كما يقمّ بيته؟

روى ابن ماجة في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أفضل؟ قال: “كل مخموم القلب صدوق اللسان”. قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: “هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي، ولا غل ولا حسد”.

أتأمل في حالنا اليوم، فلا أرى في كثير مما أرى إلا دعاوى لا دليل عليها، ومشاعر لا طعم لها، ولا لون ولا رائحة. وأخشى ما أخشاه إن غفلنا عن ذلك أن يصدق فينا قول الله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون”.

فلننظر، ولنعد النظر، جعلنا الله وإياكم من المتحابين، الذين وجبت لهم محبته.

 

2 تعليقان على “الحب في الله.. بين الحقيقة والادعاء”

  1. أحفاد خالد أضاف بتاريخ

    في الحقيقة نحن بحاجة ماسة لمثل هذه المقالات لشد ما نحن في حاجة إليها نحتاج من يعدينا إلى هذه المعاني حتى لا يجرفنا التيار عندما نتأمل سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ونراه بهذه الرحمة على من آذاه من قريش ومن أدمى قدمه الشريفة من الطائف هو يرحم من يسيء إليه إن الرحمة ملأت قلبه حتى فاضت منها لتعم الجميع القريب والبعيد المؤمن والكافر الجماد والطير وكل المخلوقات فهذا ما يجب أن نكونه كدعاة كيف يكون داعية يدعو من ضل إذا كان لا يتحمل إخوانه

  2. الفقيرة إلى الله أضاف بتاريخ

    كم نحتاج لهذه الكلمات لنسير على الدرب دون عثرات ..
    وإن عثرنا أحيانا ً فالعودة لدرب الأخوة قد وجبت ..
    اللهم اجعلنا من مخمومي القلب المستنيرين بنور الله أبداً ما أحييتنا ..

    وفقكم الله

شارك بتعليقك

*