من يزرع الشوك لا يجني العنب

(نشر في صحيفة النبأ الأسبوعية البحرينية – العدد 44 – 22/4/2009)

في عقد السبعينيات من القرن الماضي -حسبما أذكر- بدأ الحديث في البحرين عن المصارف الإسلامية، وأذكر فيما أذكر أن نادي الإصلاح آنذاك دعا الأستاذ الدكتور عيسى عبده رحمه الله لإلقاء محاضرة عن الاقتصاد الإسلامي تحدث فيها عن النظام المالي الإسلامي كبديل عن النظام الربوي، كانت -فيما أظن- أول محاضرة في موضوعها، ودشنت بداية حملة توعوية في البلاد قامت بها جهات مختلفة لنشر الوعي في المجتمع حول وجود بديل مصرفي إسلامي للنظام المصرفي الربوي المعروف.

وقد ارتفعت بعض الأصوات في تلك الفترة تنادي بتطهير اقتصاد البلاد من الربا، واعتماد النظام المالي الإسلامي بديلاً. وكالعادة ارتفعت في المقابل أصوات تخوّف الناس من هذه الدعوات “المتزمتة” التي “لا تراعي اقتصاد البلاد”، وتحذّرهم من أن المساس بالنظام المصرفي سيجر إلى انهيار اقتصادي شامل، إذ ليس من العقل التخلي عن النظام المصرفي الساري في كل بلاد العالم، والاستجابة “لدعوات الرجعية والتخلف” التي “تريد إعادة البلاد والعباد إلى العصور الوسطى”. وكما هو معروف، فقد استمر النظام التقليدي، ونما النظام المصرفي الإسلامي نمواً مطّرداً، حتى غدت البحرين مركزاً له. ولم يكن مستغرباً خلال السنوات الأخيرة أن نجد كثيراً من البنوك الربوية تنشئ أقساماً فيها تتعامل وفق أصول الشريعة الإسلامية.

وحين ضربت أمواج الأزمة الاقتصادية شواطئ العالم نهاية العام الماضي، انكشفت الحقيقة، فإذا المؤسسات القائمة على النظام الإسلامي أصلب عوداً، وأقل تأثراً بالأزمة وتبعاتها، في حين تهاوت عشرات المصارف الربوية الكبرى في أنحاء العالم. واعترف العالم بصلاحية النظام الإسلامي، بل إن إحدى المجلات الناطقة باسم الفاتيكان دعت في مقالة لها البنوك الأوروبية إلى الاستفادة من النظام المالي الإسلامي، ومن الأخلاق التي يستند عليها هذا النظام في إعادة الثقة إلى عملائها في مواجهة هذه الأزمة الاقتصادية العالمية. ولم تكن هذه المقالة سوى واحدة من عشرات المقالات التي نشرت في الصحف الأوروبية، بالإضافة إلى عشرات الأصوات التي ارتفعت في الغرب تشيد بالنظام المالي الإسلامي بل وترحب بتطبيقه والاستفادة منه، بل وعدت وزيرة المالية الفرنسية بأن تعمل على أن تكون فرنسا مركزاً رئيسياً للصناعة البنكية الإسلامية!

أسوق هذا الكلام بمناسبة ما يدور هذه الأيام من نقاش حاد حول قرار وزارة الثقافة والإعلام بإغلاق “المناهل” في فنادق النجمة والنجمتين. و”المناهل” -لمن لا يعرفها- ليست أماكن ينهل منها الناس العلم والثقافة، بل هي كلمة مهذبة تطلق على الخمّارات والمراقص وأماكن الدعارة. فحتى الآن لم أسمع من معارضي هذا القرار الموفّق سوى تحذيرات سمعنا مثلها في السبعينيات والثمانينيات من التزمّت والرجعية والعصور الوسطى والخوف على اقتصاد البلاد، وهي دعوات أثبتت السنوات كذبها، تماماً مثلما أثبتت الأحداث أنه لا خير إلا فيما اختاره الله، ولا بركة ترجى من معصيته، وقديماً قالوا: إنك لا تجني من الشوك العنب.

شارك بتعليقك

*