09.23ضيفنا المستعجل دائماً
(نشر في صحيفة النبأ الأسبوعية البحرينية – العدد 66 – 23/9/2009)
ضيفنا ليس ككل ضيف! نترقبه، كما يترقب الأطفال رجوع قريب لهم طال سفره، ينتظرون هداياه وأعطياته. يزورنا، فكأنما تهب علينا بقدومه نسائم الجنان. ويحل بنا، فلا ينغص فرحتنا بمجيئه إلا ترقب يوم الفراق. كلما مضى على مقدمه يومٌ شعرنا بالحزن، فكأنما قد اقتُطع ذلك اليومُ من أجسادناٍ، وانتُزع من قلوبنا.
يزورنا، فتتبدل طباعنا، فلا ترى في حضرته من يسب أو يلعن، وإن غفل أحد الجالسين فاغتاب أحداً، سارع القوم إلى إسكاته وتنبيهه، فيعتذر المخطئ خجِلاً. حين يغيب ترى الواحدَ منا فترى في جوفه ناراً تكاد تميز من الغيظ، فالويل لمن يدوس على طرف ثوبه، أو يتقدم عليه في الصف، أو ينحرف بسيارته أمامه في الطريق، إذ تنفتح عليه عندها أبواب جهنم. فإن حضر، خمدت النار المتأججة، فكلما أراد صاحبها بأحد سوءاً تذكر وجود الضيف، فألجم نفسه، ورسم على شفتيه ابتسامة التسامح، وانطلق لسانه يدعو للمخطئ: (سامحك الله!).
يأتي فتنصاع لهيبته النفوس. ترى المدخّن لا يجرؤ على التدخين حين يجيء، وترى الغافل حين يأتي يسمع الأذان فيهرع إلى الصلاة، وقد كان من قبلُ عنها من الغافلين. يحلو للناس أن يراهم منفقين كرماء، فيعم الجود وينتشر التكافل، وتشيع بين الناس خصال الخير.
حين يجيء، يصبح حديثُ الدنيا ثانوياً هامشياً نشازاً، فيعاف الناس أحاديث السياسة والتجارة والفن، وتتسامى النفوس بأحاديث الدين والآخرة، حتى لتكاد تشعر بها تقترب من السماء إيماناً وطهراً، وتطرب الأسماع لتراتيل الآيات، تترنم بها ألسنة الذاكرين والذاكرات.
قدومه يعني لنا قدوم الأمن والأمان. حين كنا صغاراً كان يرحل بمجيئه الخوف، فلا ترى طفلاً يخاف الظلام، ولا أماً قلقة على أبنائها حين يلعبون وسط الأحياء. وكبرنا، فأصبح قدومه يعني لنا السلامة من مكر الماكرين، وغش المخادعين.
ضيفنا ليس ككل الضيوف. ضيفنا رمضان، خفيف الدم، لطيف المعشر، قليل المؤونة، مستعجل دائماً، كعابر سبيل ما يلبث أن يحل حتى يرتحل.
يأتي رمضان ويمضي، يمضي سريعاً، فتدمع لرحيله عيون المؤمنين، وأحسب أن الإسلام ما شرع العيد إلا رحمة بالمؤمنين أن يقتلهم الحزن لرحيل رمضان، فأوجب الفرح بالعيد، وجعله جزءاً من فضائل رمضان، وجائزة لمن أكرم الضيف الكريم.
يأتي رمضان ويمضي، وسيعود إلى زيارتنا كما يفعل كل عام منذ أن رأت أعيننا الدنيا، غير أن الواحد يخشى أن يأتي رمضان حين يأتي وقد غاب عن الدنيا وواراه التراب، فلا يملك إلا أن يسأل الله أن يتقبل منه العمل في رمضان الراحل، وأن يبلّغه رمضان الآتي.
هكذا هي صورة رمضان في قلوب المسلمين، صورة نسجت من ألوان الخير، ومزجت بالنور.
هكذا هو رمضان عند المسلمين، فهل من عجب بعد ذلك أن يتمنى الواحد منا أن تكون السنة كلها رمضان؟!

اللهم بلغنا رمضان …..
الحمد لله الذي شرع لنا عيد الفطر ….
بارك الله بك