فليعلمن الله الذين صدقوا، وليعلمن الكاذبين

(نشر في صحيفة النبأ الأسبوعية البحرينية – العدد 68 – 7/10/2009)

تأبى فلسطين مرة بعد مرة إلا أن تكون فتنة، فتنة يميز الله بها الخبيث من الطيب، ويكشف بها الغث من السمين. يوم الجمعة الماضية كان أحد أيام الامتحان، نجحت طائفة فيه نجاحاً مشرّفاَ، وسقطت أخرى سقوطاً مدوّياً.

يوم الجمعة الماضية، سيطر على نشرات الأنباء خبران من فلسطين، الأول كان عن نجاح فصائل المقاومة في إطلاق سراح 20 أسيرة فلسطينية من سجون الاحتلال الصهيوني. أما الثاني فكان عن الموقف البائس الذي اتخذته سلطة رام الله بالتخلي عن دعم التقرير الذي أعده ريتشارد غولدستون والذي أدان في جزء كبير منه الحكومة الصهيونية واتهمها بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في حربها على غزة.

نجحت فصائل المقاومة الفلسطينية -وعلى رأسها حماس- نجاحاً باهراً، دلّل على أن بالإمكان إملاء الشروط على الاحتلال، وأكد على أن سبيل المقاومة هو السبيل الذي تستطيع به الأمة أن تطالب بحقوقها مرفوعة الرأس عزيزة الجانب. كما نجحت حماس حين جعلت من هذا اليوم عرساً لكافة أطياف الشعب الفلسطيني وفصائله، فحرصت على أن تشمل الصفقة أسيرات ينتمين إلى مختلف الفصائل، لتؤكد على أن ملف الأسرى قضية وطنية وليست ملفاً حزبياً أو فصائلياً.

ولعل مما زاد هذا النجاح نجاحاً، ذلك السقوط المخزي الذي تزامن مع الإنجاز الذي حققته المقاومة، والذي منيت به سلطة رام الله. لقد كان يوم الجمعة الماضية بحق يوماً انكشفت فيه سوءة هذه السلطة البائسة، حين قررت الرضوخ للصهاينة والأمريكان، وفضلت بيع دماء الآلاف من شهداء غزة مقابل ما سيجنيه المرتزقة فيها من مكاسب مادية تدرها عليهم صفقات التجارة وإتاوات الجمارك وملايين الدولارات من المساعدات الأمريكية.

لم تكتف هذه السلطة بإعاقة كل الخطوات السابقة التي كانت تسعى إلى تخفيف الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني في غزة، ولم تتورع عن التصريح أمام العالم باعتبار قطاع غزة كياناً معادياً يرعى الإرهاب، ولم تستح من التنسيق مع العدو الصهيوني لمنع إدخال الوقود إلى غزة إلى الدرجة التي كادت تصل إلى انهيار البنية التحتية فيها بالكامل، ولم تستطع أن تبرئ نفسها من تهمة التواطؤ مع العدو في حربه الشرسة على غزة تمهيداً لدخول القطاع على ظهر الدبابة “الإسرائيلية”، ولم تشعر بالعار وهي تعرقل جهود التحقيق في الحرب، وها هي تتوج كل ذلك بإجهاض قرار إدانة العدوان الصهيوني.

ولئن كانت مفارقة النجاح والسقوط يوم الجمعة توضح بجلاء من يسعى لصالح فلسطين وشعبها ممن يسعى لبيعها وتصفية قضيتها، فإن إقدام سلطة رام الله من جانب آخر على منع المتواجدين خارج أسوار سجن عوفر يوم الجمعة الماضية من رفع أعلام حماس، ومنع نواب حماس في الضفة الغربية من استقبال الأسيرات المحررات ، لهي مفارقة عجيبة أخرى تبين بوضوح من يسعى للوحدة ومن يسعى للمزيد من الفرقة.

وستبقى فلسطين حبلى بالمفاجآت والفتن، حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين.

شارك بتعليقك

*