جيل النكتة

(نشر في صحيفة النبأ الأسبوعية البحرينية – العدد 70 – 21/10/2009)

قال أحد الحاضرين، وقد تشعّب بنا الحديث حول جيل الأربعينيات والخمسينيات: البعض يسمي هؤلاء جيلَ (النّكبة)، فسأل آخر: إن كان آباؤنا وأجدادنا جيلَ النكبة، ونحن كما يقولون جيلُ (النكسة)، فيا تُرى ماذا سيُطلقون على جيلِ أبنائِنا وبناتنا؟

قلت بلا تردّد: سيسمّونهم جيلَ (النُّكتة)!

قال: وما وجهُ ذلك؟

قلت: إن العرب لم يوفّقوا في شيء ما وُفقوا في وصف ما حدث في فلسطين عام 1948 حين سمّوه نكبةً، والنكبة كما تعرّفها معاجم اللغة، هي الواحدة من مصائب الدهر. وهل كان ما حدث في 1948 إلا مصيبة من مصائب الدهر لا زلنا نتجرّع مرّها ونكتوي بنارها؟

لكنني لم أجد أكذب من كلمة (النكسة) -التي وعينا على الدنيا في عصرها- وصفاً لما حاق بالعرب من هزيمةٍ سنةَ 1967. فالنكسةُ تعني في اللغة الرجوع إلى الوراء، فكأن العرب يومها إنما هزموا بعد انتصارات كثيرة، والحقّ أنهم لم يعرفوا طعم النصر منذ أمد بعيد، إنما كانت كل مصيبة من بعد النكبة تكاد لفداحتها تنسيهم ما قبلها، ويبدو أنهم لم يجدوا حيلة إلا أن يترفقوا في الأسماء، علّ ذلك يخفف عنهم مرارة المسميات.

وإنكم إن جاريتم العرب في الالتزام بمبنى الكلمة والتخفيف من معناها، فلن تجدوا فيما يتعلق بفلسطين وقضيتها في هذا العصر وصفاً أفضل من (النكتة).

فلئن كانت الهزيمة النكراء التي منيت بها الجيوش العربية عام 1967 ليست سوى (نكسة) في عرف العرب، فلا أظنهم سيرون فيما يحدث اليوم من مصائب في حق فلسطين سوى نكتة. والنكتة –لمن لا يعرف- كما يقول صاحب اللسان: هي النقطة السوداء في شيء صافٍ.

أفلستم معي أن هذا هو ما يحاول بعض الساسة -وعلى رأسهم من يعملون اليوم على بيع فلسطين شبراً شبراً، وحجراً حجراً- أن يزرعوه في عقولنا وعقول أبنائنا؟ أليسوا يحاولون في كل يوم أن يهوّنوا من شأن مصافحة الأعداء وضمّهم وعناقهم، ودعوتهم إلى ديارنا؟ أليسوا يحاربون بكل سلاح كل شكل من أشكال مقاومة المحتلين، ثم لا يمنعهم حياؤهم ولا ماء وجوههم من أن يتشدقوا بأنهم هم المناضلون والمقاومون؟ أليسوا يفرّطون في فلسطين ثم يدّعون كذباً أنهم أحرص الناس عليها، وإنما هم أحرص الناس على حياة؟ أليست الخيانة في نظر هؤلاء أخف وأصغر وأحقر من النقطة السوداء في الشيء الصافي؟!

وسيصحو أبناؤنا وأحفادنا ذات يوم، ولن يجدوا في فلسطين قدساً ولا أقصى، إذ سيكون طوفان التهويد والاستيطان قد ابتلع كل ذلك، لن يجدوا يومها سوى دولة مقطعة الأوصال، منزوعة السلاح، مسلوبة السيادة، ليست القدس عاصمتها، مشتتون أهلُها، كانوا ولا يزالون لاجئين في أصقاع الدنيا، وسيجدون على رأسها مخلوقاً يدّعي أنه رئيسهم ورئيسها، قد باعهم وباعها بأبخس الأثمان.

سيصحو أبناؤنا ليكتشفوا أنهم إنما كانوا يعيشون نكتةً حزينة، وشر البلية ما يُضحك.

تعليق واحد على “جيل النكتة”

  1. بنت الخالدات أضاف بتاريخ

    وسيصحو أبناؤنا وأحفادنا ذات يوم، ولن يجدوا في فلسطين قدساً ولا أقصى، إذ سيكون طوفان التهويد والاستيطان قد ابتلع كل ذلك، لن يجدوا يومها سوى دولة مقطعة الأوصال، منزوعة السلاح، مسلوبة السيادة، ليست القدس عاصمتها، مشتتون أهلُها، كانوا ولا يزالون لاجئين في أصقاع الدنيا، وسيجدون على رأسها مخلوقاً يدّعي أنه رئيسهم ورئيسها، قد باعهم وباعها بأبخس الأثمان.

    سيصحو أبناؤنا ليكتشفوا أنهم إنما كانوا يعيشون نكتةً حزينة، وشر البلية ما يُضحك.

    كلام محزن حقّاً..

    نتمتى أن لايحدث ذلك ..

    فمن يدري ربما يصحو أبناؤنا يوماً على تحرير فلسطين وصلاة في الأقصى الشريف..

    ربما يكونون أبناؤنا جيل النصر..!

    سلمت ياخال ..

شارك بتعليقك

*