ثمانية عشر عاماً ولا يزال العار مستمراً

(نشر في صحيفة النبأ الأسبوعية البحرينية – العدد 75 – 25/11/2009)

الآن يعترف أزلام أوسلو بفشل مسيرة المفاوضات، لكن صفاقة الوجوه تجعلهم يعلنون إصرارهم على الاستمرار في العبث بتاريخ القضية الفلسطينية وحاضرها ومستقبلها.

لم يقتصر الأمر خلال ثمانية عشر عاماً –هي عمر المفاوضات بين الفلسطينيين والصهاينة- على مجرد التنظير والتبشير بالسلام، والوعد بمستقبل مشرق للشعب الفلسطيني المقهور، وإنما تعدى ذلك إلى خطوات عملية كثيرة، أدت جميعها إلى تغيير جذري في خارطة الصراع العربي الصهيوني عامة، والقضية الفلسطينية بوجه خاص.

خلال ثمانية عشر عاماً أصر الصهاينة على أنه لا مجال للحديث عن قدسين، فأورشليم في عقيدتهم مدينة واحدة، هي العاصمة الأبدية الموحّدة لـ”إسرائيل”. وأكدوا دائماً أن عودة اللاجئين تعني انتحار “إسرائيل”، وأنه لا مجال للحديث عن وقف الاستيطان أو إخلاء المستوطنات “الرئيسية” في الضفة الغربية.

خلال ثمانية عشر عاماً توسعت إسرائيل في مغتصباتها، وأمعنت في قتل الفلسطينيين وإذلالهم وتشريدهم، ومصادرة أراضيهم وممتلكاتهم، والبدء بخطوات عملية لتهويد القدس وطرد أهلها العرب والعدوان على المسجد الأقصى.

في المقابل –وخلال ثمانية عشر عاما- تخلت (القيادة) الفلسطينية عن حقها في مقاومة الاحتلال، واعترفت صراحة بحق المحتل في معظم مساحة الأرض الفلسطينية، ومهدت الطريق أمام هدم السدود بين الدول العربية والإسلامية من جهة وبين العدو الصهيوني من جهة أخرى، من باب أننا لا ينبغي أن نكون فلسطينيين أكثر من “أصحاب” القضية.

خلال ثمانية عشر عاماً نفذت (السلطة) الفلسطينية كل ما طلب منها بتفان وإخلاص. فعملت على محاصرة المقاومة ومطاردتها، وقتل أفرادها واعتقالهم أو تسليمهم لقوات الاحتلال، ومحاصرة المؤسسات الأهلية والخيرية التي كانت تمد يد العون للشعب الفلسطيني، ووسعت من تنسيقها الأمني مع الاحتلال حتى غدت عربات الشرطة الفلسطينية تداهم البلدات والقرى الفلسطينية في الضفة الغربية جنباً إلى جنب مع سيارات الجيش الصهيوني، في حين استولى أقطاب السلطة على مليارات الدولارات (من قبيل ما صرّح به محمد دحلان في أغسطس 2004 لصحيفة (الغارديان) من أن ما مجموعه خمسة مليارات دولار من تبرعات المانحين للسلطة الفلسطينية قد ذهبت هباء down the drain).

لا أجد تعليقاً على هذا أبلغ مما قاله سيناتور أمريكي تعليقاً على تصرفات مدراء إحدى الشركات الأمريكية الكبرى الذين استولوا على ملايين الدولارات تحت باب المكافآت حتى مع الخسائر الفادحة التي تكبدتها شركتهم حين قال: “إن الأمر الأول الذي سيحسن من شعوري قليلا تجاه هؤلاء هو أن يقتدوا بالنموذج الياباني، فيركعوا أمام الشعب الأمريكي ويقولوا: نحن آسفون، ثم يقوموا بأحد أمرين: إما أن يستقيلوا، أو أن ينتحروا. وفي الحالة اليابانية، فإنهم غالباً ما ينتحرون قبل أن يقدموا أي اعتذار”.

لكن يبدو أن هذه الأمة ستحيا طويلاً قبل أن ترى من يستقيل، فضلاً عن أن ترى من يتكئ على حد سيفه حتى يخرج من ظهره، فقد كُتب عليها ألا ترى إلا وقاحة السرّاق وألا تسمع إلا صراخ الفاشلين.

شارك بتعليقك

*