أقلام مدادها الأوهام

(نشر في صحيفة النبأ الأسبوعية البحرينية – العدد 76 – 2/12/2009)

حكى لي أحد الظرفاء نكتة تقول: اشتكى الجيران على أحد (الفتوّات) أنه يضرب امرأته، فاقتيد إلى القاضي، لكنه أنكر التهمة، فاستدعى القاضي امرأته وسألها، فجعلت تحكي للقاضي –وهي تنظر قلقة إلى زوجها من طرف خفي- كيف أن زوجها يدللها، فلا يغادر البيت إلا بعد أن يقبّلها، ولا يعود إليه إلا بهدية لها، ولا يدعوها إلا الحبيبة حين يناديها. واستطردت تعدد محاسنه ورومانسيته. فما كان من الزوج إلا أن تقدم إليها ولطمها لطمة أطارت قرطها من أذنها، ثم التفت إلى القاضي وقال: أتلومونني في هذه الفاجرة، ألا تسمعونها تمدح رجلاً آخر أمامي؟

تذكرت هذه النكتة وأنا أقرأ مجموعة من المقالات التي نشرت في بعض الصحف المحلية خلال الأسابيع الفائتة تتناول الحراك السياسي للمنبر الوطني الإسلامي، والحراك الفكري لجمعية الإصلاح في البحرين. وصرت كلما قرأت سطراً ازددت عجباً وحيرة –وأنا ناشط في المنبر، وعضو مجلس إدارة الإصلاح منذ سنين، ونشأت فيها منذ كان عمري عشرة أعوام- وأسأل نفسي: أيتحدث هؤلاء عنا أم عن غيرنا؟ هل وصلنا فعلاً إلى درجة من القوة بحيث نتحكم في مفاصل الدولة، فتقرّب الدولة من نشاء وتقصي من نشاء؟ وهل وصل بنا النفوذ إلى الدرجة التي نستطيع بها اللعب على أوتار الخلاف بين الكبار (إن كان هناك خلاف أصلاً)؟ وهل فعلاً أصبحت وزارة عملاقة كوزارة التربية تحت سيطرتنا؟ ثم انفتحت شهيتنا على وزارات أخرى؟

قد يفرح بعض الحمقى حين يبالغ الناس في وصفهم وفي تعظيم قوتهم، وقد يعدّون ذلك رصيداً إضافياً يحسب لهم. لكن ذلك شأن الحمقى وحدهم. ولست هنا في وارد الرد على ما ذكر في تلك المقالات، ذلك أن من الغبن أن ينام هذا فيحلم، أو تصحو هذه فتتخيل، ثم يذكر هذا حلمه أو تكتب هذه عن خيالاتها على أنها حقيقة واقعة، فإذا اعترضت طلبوا منك الدليل، وكان الأولى أن يأتوا بالدليل على صحة ما يقولون.

لكن من حق الواحد منا –أعضاء الجمعيتين- أن يتساءل: ما هي مظاهر القوة والنفوذ التي يتحدث عنها هؤلاء؟ أفي أعداد أعضائنا من الوزراء والوكلاء وكبار المسؤولين؟ أم في مظاهر الثراء الفاحش التي وصلنا إليها عبر المصالح الفئوية والمنافع الشخصية؟ أم نحن كما يلمّح البعض (حكومة ظل) تعمل أصابعها في الخفاء؟ ومن هو المسؤول في الدولة الذي يرضى الكبار أن يكون مجرد دمية تحركها خيوط العرائس فلا تملك من أمر نفسها شيئاً؟

ليس من الحكمة الاسترسال في التساؤلات، إذ إنها قد تتجاوز حدود الأدب، ولولا أن مثل هذه الادعاءات تسيء أول ما تسيء إلى الوطن لما استحقت عناء الرد عليها والحديث عنها.

تفخر جمعية الإصلاح أنها إنما تعد جزءاً من نسيج هذا الشعب، أبناؤها أبناء هذا الوطن، يسعون فيه كما يسعى غيرهم، ويحظى أكثرهم بالاحترام، وأنها رغم قلة عدد أعضائها، إلا أن فكرها يلقى قبولاً لدى شريحة واسعة من شرائح المجتمع، لا لشيء إلا لأنه مستمد من وسطية الإسلام واعتداله وانفتاحه. وهذا يحتاج من مخالفيه إلى مقارعة الفكر بالفكر والحجة بالحجة. أما التحريض على الإصلاح، والتخويف من أبنائها، والتصريح بأنهم يسعون إلى الانقلاب على الدولة عندما تحين لهم الفرصة، فهو اتهام خطير قد نعود إلى الحديث عنه في مستقبل الأيام. غير أنني أكتفي اليوم بأن أنصح البعض قبل الكتابة، أن يوجهوا إلى أنفسهم لطمة قوية، تشفيهم من داء النرجسية، وتبعدهم عن الأوهام وشطحات الأقلام.

وقد طال بنا الكلام فعذراً أيها القراء الكرام. 

شارك بتعليقك

*