أمنيات أحمد زايد

(نشر في صحيفة النبأ الأسبوعية البحرينية – العدد 78 – 16/12/2009)

هل تذكرون أحمد زايد؟ ذلك الطفل الفلسطيني الذي وقف أمام كاميرا قناة الجزيرة يستصرخ العرب والمسلمين وضمير العالم من داخل أحد ملاجئ الأونروا في قطاع غزة خلال العدوان الصهيوني أواخر العام الماضي؟

يومها أحسست –وأجزم أن هذا ما أحس به العشرات غيري- أن ابن التسعة أعوام هذا، بكلماته الواثقة، ومشاعره الواضحة الصادقة، كان يعلم الأمة معنى الرجولة، حتى لينطبق عليه تماماً قول نزار قباني في حق أطفال غزة:

يا تلاميـذ غـــزة علمونا    بعـض ما عندكم فنحن نسينا

علمونا بأن نكون رجالا    فلدينا الرجال صاروا عجينا

قبل أيام شاهدت أحمد ثانية في لقاء على شاشة الجزيرة، هذه المرة على قناتها الخاصة بالأطفال، كان يتحدث عن مشاعره بعد عام على العدوان، وكان واضحاً أن مشاعره التي تحدث عنها قبل عام لم تتغير، وأن همومه لم تتبدل.

يشدك في شخصية هذا الطفل اجتماع نقيضين قلّما يلتقيان، إذ تتنافس فيه صفات الرجولة التي صنعتها وحشية الحرب وآلام الحصار والحرمان، مع براءة الطفولة التي لا تخطئها العين، حتى إنك لتظن أنهما يتصارعان، ثم لا يخرجان إلا معاً. إنه طفل يحب اللعب، لكنه يدرك تماماً أن أطفال فلسطين محرومون من اللعب، لذلك فأنت ترى أمنياته مغلفة بشيء غير قليل من التحفظ، ومحدودة بسقف غير مرتفع من التوقعات. إذ تنحصر أمنياته في وطن غير محاصر يلعب فيه بأمان.

سألته المذيعة عن حال غزة، هل تغير فيها شيء بعد الحرب؟ فأجابها: وما الذي سيتغير في غزة، نحن لا زلنا نتعرض كل يوم للعدوان، ونعيش تحت الحصار. سألته عن بيتهم، هل هو على حاله؟ فأخبرها أنه على حاله، لكنه قال بحزم إنهم سيعيدون بناءه بالتأكيد. وعندما سألته: وما الذي ستشتريه لك عندما تعيدون بناء البيت؟ قال: (أول شي بنجيب بابور غاز)، يعني أنهم سيشترون أول ما يشترون موقد غاز. ولم يكن هذا هو الجواب الذي كانت تنتظره مقدمة البرنامج، فسألته عن أول شيء سيشتريه لنفسه لا للبيت، فأجابها إنه سيشتري (أواعي) أي ثياباً مناسبة، لأن ظروف أبيه المادية الصعبة لن تسمح له بالكثير.

وهكذا استمر الحوار، والمذيعة تحاول جاهدة أن يخبرها أحمد بما يتمنى الحصول عليه لنفسه، فلما أعيتها الحيلة، سألته سؤالاً مباشراً: لو جاءتك لعبة، ما اللعبة التي تتمناها؟ عندها أجاب أنه يتمنى الحصول على طائرة تعمل بالريموت كنترول.

إن كان للمصاعب والمصائب جانب إيجابي، فلا شك أن جانبها الإيجابي في هذه الحالة يتمثل في بناء شخصية طفولية نادرة، تكاد تكون معدومة بين أطفالنا المنعّمين المدللين.

أجزم أن الذين شاهدوا اللقاء أحسوا –مثلي تماماً- برغبة قوية في شراء طائرة تعمل بالريموت كنترول يهدونها لأحمد، المفارقة هنا أن هذه كانت أمنيته الأخيرة، لذا فالسؤال المطروح هو: ومن يستطيع أن يهدي أحمد وطناً حراً يلعب فيه بأمان؟

 

شارك بتعليقك

*