المشايخ ودورهم في توحيد الناس

(نشر في صحيفة النبأ الأسبوعية البحرينية – العدد 77 – 9/12/2009 – بتصرف)

يتحمل علماء الأمة ومشايخها مسؤولية كبيرة فيما يتعلق برأب الصدع، وإصلاح ذات البين، وتقريب وجهات النظر، وتقوية الصف، والتصدي للفرقة والشقاق بين المسلمين.

لكننا نركب صعباً إذا اعتقدنا أن هذه المسؤولية تعني أن يقوم علماء الدين بتوحيد أفكار الأمة ومذاهبها، أو بتوحيد الأحكام التي يفتون بها للناس في مختلف مسائل العبادات والمعاملات. هذه مهمة مستحيلة في نظري، إذ أن الله تعالى خلق الناس مختلفين في أفكارهم واجتهاداتهم، وجعل الاختلاف الفقهي وسيلة من وسائل التوسيع على الناس ونفي الحرج في الدين عنهم، ولذلك فإن مطالبة العلماء بالاتفاق على رأي واحد وفكر واحد هو من قبيل مصادمة الطبيعة والفطرة من ناحية، ومن قبيل التضييق على الناس والتعسير عليهم من ناحية أخرى.

ومن ذلك ما يميل إليه البعض من الاعتقاد بأن تقريب الطوائف والتوحيد بينها إنما يكون بإذابة الحواجز الفقهية والعبادية، وصهر الناس في بوتقة فقهية واحدة، بحيث يصلي هؤلاء خلف أولئك مثلاً، أو يفتي أولئك لهؤلاء. وهذا في رأيي أمر صعب للغاية إن لم يكن مستحيلاً والحديث حوله يطول.

لكن العلماء إن كانوا معذورين أمام الله والناس في عدم قدرتهم على القيام بهذه المهمة المستحيلة، فلا ينبغي عليهم أن يزيدوا الطين بلة، ولا أن يزيدوا الخروق، ولا أن يوسعوا من شقة الخلاف بين أبناء المذهب الواحد.

مناسبة هذا الكلام هو ما نشاهده مراراً وتكراراً في كل موسم من مواسم العبادة، من نشرات ومقالات وموضوعات ودروس في المساجد، وبرامج تنشر وتذاع وتعرض على جماهير المسلمين، تتحدث حول هذه الشعيرة أو تلك، وتعرض الحكم الفقهي فيها. إذ غالباً ما يميل معدوا هذه النشرات وكاتبوا تلك المقالات ومقدموا هاتيك البرامج والدروس إلى تبني رأي فقهي واحد ودعوة الناس إلى اتباعه، مع شيء غير قليل من الغمز والتقليل من شأن الآراء الفقهية الأخرى المتعلقة بنفس المسألة.

خذوا على سبيل المثال ما يحدث كل عام عندما يقترب موسم إخراج زكاة الفطر، وما يحدث من لغط وجدال حول جواز إخراج القيمة أو الاقتصار على إخراجها من طعام أهل البلد، إذ توزّع النشرات، وتقام الدروس، وتكتب المقالات لدعوة الناس إلى اتباع رأي فقهي معين، والتلميح أو التصريح بأن اتباع الرأي الآخر لا يجوز ولا تجزئ زكاة الفطر من متبعيه.

وخذوا مثلاً ما حدث في عيد الأضحى هذا العام حين اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد، فتجدد الجدال حول وجوب صلاة الجمعة أو الاكتفاء بصلاة العيد لمن صلى العيد، حتى خرجت الصحف في اليوم التالي بخبر يقول إن البحرينيين أخذوا بفتوى إدارة الأوقاف السنية وتركوا فتوى الأزهر في هذا الخصوص، مع إقرار كافة العلماء بوجود آراء معتبرة تدعم كلاً من الرأيين.

وانظروا إلى ما يحدث كل عام حين تهطل الأمطار، إذ يتسابق كثيرون إلى الإفتاء في حكم الجمع وقت المطر، وتفنيد الآراء المخالفة، واتهام أصحابها إما بالتشدد أو بالتسيب وتتبع الرخص، وما يتبع ذلك من اختلاف في المساجد يصل أحياناً إلى حد الجدال والشجار.

هناك أمثلة أخرى عديدة، كلها توضح كيف أن من بين المشايخ اليوم من يريد أن يحمل الناس على رأي معيّن، والأشد من ذلك أنه قد يسفّه الرأي الآخر أو يبطله أو ينتقص من أصحابه ومتبعيه، بينما كان من الواجب أن تكون هذه المناسبات فرصة لبيان سماحة الدين، ورحمته بالمسلمين، واتساعه لأفهام المجتهدين.

مع تجدد المناسبات الدينية، يتطلع عامة المسلمين إلى علمائهم ومشايخهم ليكونوا قدوة لهم في مسائل احترام الرأي الآخر، والتعايش مع المخالفين، ونبذ التعصب والتعالي والاعتداد بالآراء، وخصوصاً حين يجدون لمثل هذا الاختلاف أصلاً، فهذه خطوة أولى يسيرة لمن يريد أن يتحدث بعد ذلك عن الخلاف مع المذاهب الأخرى أوالأديان الأخرى. ما أجمل أن يحمل المشايخ أنفسهم على عرض آرائهم على أنها آراء فقهية تحتمل الخطأ من جملة آراء أخرى قد تحتمل الصواب. 

شارك بتعليقك

*