البحرين.. الإنسان والبحر

(نشر في صحيفة البلاد اليومية البحرينية – 9/12/2009)

هذه العبارة وضعتها هيئة الإذاعة والتلفزيون عنواناً لبرنامج تسجيلي بثته منذ أيام على قناتنا الفضائية ضمن احتفالات المملكة بالعيد الوطني. البرنامج يتحدث –كما يشير العنوان- إلى العلاقة الحميمة والعريقة بين البحرينيين والبحر، ويبدأ كما هي العادة بمشاهد بالأبيض والأسود عن سفن الغوص والصيد وهي تمخر عباب الخليج، والبحارة الذين كانوا على متنها ببشرتهم السمراء التي صوّحتها أشعة الشمس وملوحة البحر. وتتكرر خلال البرنامج أهازيج الغوص وأغنيات البحر القديمة.

لكن وتيرة البرنامج ما تلبث أن تتغير في الجزء الثاني والأطول منه لتعكس التطور الذي وصلت إليه المملكة، فيتحدث عن المشاريع العملاقة التي أقيمت وتقام على سواحل البحرين، عن هذه الجزر الصناعية التي ترتفع عليها المباني والبيوت، ويعدد البرنامج هذه المشاريع بأسمائها، ويلتقي بالقائمين عليها، والذين يصفون مشروعاتهم وعدد الوحدات السكنية المقامة على كل منها ومساحاتها التي تقدر بمئات الآلاف من الأمتار المربعة.

وهنا ليسمح لنا القائمون على التلفزيون أن نختلف معهم كثيراً، إذ يتحول البرنامج من الحديث عن مرحلة يعتز بها كافة البحرينيين إلى مرحلة –وإن كانت تبعث على الفخر من ناحية- إلى أنها تثير الكثير من الجدل وعلامات الاستفهام من ناحية أخرى، وهو ما يجعل هذا الجزء من البرنامج أقرب إلى الاستفزاز منه إلى الفخر.

الذي يبعث على الاستفزاز هو أن البرنامج يورد هذا الأمر على أنه امتداد للعلاقة الحميمة والقديمة بين الإنسان البحريني والبحر، ولا أدري هل نسي منتجو البرنامج أم تناسوا حجم الجدل الذي تثيره مثل هذه المشروعات لدى الإنسان البحريني؟ فالبحرينيون في مجالسهم ومنتدياتهم، وعبر صفحات الجرائد، ما فتئوا يبدون استياءهم وغضبهم من هذه المشاريع التي يعدونها تعدياً على البحر وقتلاً للحياة فيه. ولعل الغالبية العظمى من القراء تابعوا باهتمام ما ورد في الصحف خلال الفترة القليلة الماضية عن انهيار شبه كامل للثروة السمكية، وعما توقعه المعنيون من انقراض أنواع كثيرة من الأسماك خلال السنوات القادمة.

ولا أظن أن القائمين على البرنامج يجهلون كذلك مقدار المشكلة التي أوجدتها هذه المشروعات بالنسبة للعاملين في مهنة الصيد.  ولعله من العدل أن نتساءل عن شعور صيادي قلالي مثلاً حين يشاهدون مثل هذا البرنامج، وهم الذين كانوا ولا يزالون يجأرون بالشكوى من أن المشاريع الضخمة التي أقيمت قبالة ساحل قريتهم قد دمرت مصائدهم وأثرت على أرزاقهم، حتى أصبح الكثيرون منهم لا يعودون حتى بجزء يسير مما تعودوا أن يعودوا به من خيرات البحر.

ولا أعتقد أخيراً أن أحداً في البحرين يمكنه أن ينسى أن مثل هذه المشروعات التي ضاعفت طول الشواطئ أضعافاً مضاعفة، قد ساهمت في نفس الوقت في حرمان أكثر البحرينيين من السواحل المفتوحة، ومن التمتع بالبحر، لأنها في الحقيقة نقلت ملكية هذه السواحل إلى فئة قليلة من المتنفذين أو زبائنهم من المقتدرين الذين يستطيعون التملك في هذه الجزر.

صحيح أن علاقة البحريني بالبحر علاقة قديمة قدم تاريخ هذه الجزيرة، وصحيح أيضاً أن المشروعات الاستثمارية العملاقة التي أقيمت وتقام حول البحرين تعكس التطور العمراني والنقلة النوعية التي تعيشها المملكة، غير أن تلفزيون البحرين لم يوفق ألبتة في الربط بين الصورتين، حين جعل الثانية امتداداً للأولى، وهو الأمر الذي قد يؤثر على مصداقية فضائيتنا التي ينتظر منها الجمهور العريض من المشاهدين أن تكون أكثر التصاقاً بهمومهم، كي يكونوا هم في المقابل أكثر إقبالاً على مشاهدتها.

 

شارك بتعليقك

*