مشهدان ومشهد

(نشر في صحيفة النبأ الأسبوعية البحرينية – العدد 79 – 23/12/2009)

المشهد الأول:

في عام الرمادة، حين حل القحط في ديار الجزيرة، فلم تعد الرياح تسوق المزن الممطرة، وإنما كانت تسفي في العيون تراباً كالرماد، في ذلك العام، كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص رضي الله عنهما: (بسم الله الرحمن الرحيم، من عبدالله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص، أما بعد، أفتراك تحيا ومن قِبَلك وأموت ومن قِبَلي؟ فيا غوثاه يا غوثاه يا غوثاه!)

فما كادت الرسالة تصل إلى عمرو في مصر حتى بعث إلى عمر يقول:

(إلى عبدالله عمر أمير المؤمنين من عمرو بن العاص، فقد أتاك الغوث، فلبّث لبّث، لأبعثن إليك بعيرٍ أولها عندك وآخرها عندي).

المشهد الثاني:

مع نهاية العقد الثالث وبداية العقد الرابع من القرن العشرين كانت مصر مصدر السلاح والعتاد للمجاهدين الليبيين بقيادة الشيخ عمر المختار، وكانت الرئة التي يتنفس منها الليبيون وسط دخان المعارك ونيران القصف الإيطالي الذي لم يكن يفرّق بين مجاهد أوشيخ، أو امرأة أو طفل. في تلك الفترة كان المجاهدون الليبيون يتسللون إلى مصر عبر الحدود للتزود للقتال، وكان المصريون أحياناً يرسلون من يحمل السلاح والذخيرة إلى المجاهدين داخل ليبيا.

وحين اشتدت وطأة المجاهدين على الغزاة، لم يجد الجنرال الإيطالي رودلف غراتسياني بدّاً من الأمر بإقامة سور طوله 300 كيلومتر من الأسلاك الشائكة على الحدود المصرية الليبية ما بين البردية على البحر المتوسط شمالاً وواحة الجغبوب إلى الجنوب، ليمنع هذه الإمدادات.

مشهدان من التاريخ القديم والحديث يجسدان بجلاء أسلوب مصر العظيم في التعامل مع أزمات الأمة، ودورها البارز في إغاثتها ومساندتها كلما حزبتها الخطوب.

مشهدان من عشرات المشاهد التي يحفل بها تاريخ مصر، يوم كانت مصر هناك، يقصدها الجياع إذا أضنتهم السنوات العجاف، ويقصدها المجاهدون، يطلبون منها المدد والعون إذا أثخنتهم الجراح، واعتورتهم حراب الغزاة، وأضعفتهم الحاجة إلى السلاح.

حين يقرأ الواحد منا هذه المشاهد المسطورة في كتب التاريخ، ثم يشاهد ما يجري على حدود رفح، لا يملك إلا أن يتساءل: ما الذي تغيّر في الدنيا حتى يلاقي أهل غزة ما يلاقونه منذ ثلاث سنوات؟ لماذا تقفل في وجوههم الأبواب فلا يسمح لهم بالدخول والخروج إلى بلادهم إلا في أيام معدودة كل عام، وبشروط محددة؟ لماذا يمنع عنهم الغذاء والدواء والكساء ومواد البناء؟ لماذا ينامون منذ عام كامل في العراء دون أن يُمكنوا من إعادة بناء منازلهم التي دمرها العدو؟

ولماذا، يوم أن اتخذ أهل غزة الأنفاق، فجعلوا ينقلون فيها الغذاء لأطفالهم، والدواء لمرضاهم، تحارب هذه الانفاق، ويقطع عن غزة شريان الحياة؟ لماذا تنفق الملايين لبناء جدار فولاذي يحكم الخناق على القطاع؟ ما الذي تغير في الدنيا؟

أحسب أن الجميع يعرف الجواب، غير أننا لا نملك مع هذا إلا العجب، وإلا الدعاء.

شارك بتعليقك

*