تتمة الحكاية

(نشر في صحيفة النبأ الأسبوعية البحرينية – العدد 80 – 30/12/2009)

في ذات يوم من عام 1929م نشر الشيخ الأديب علي الطنطاوي رحمة الله عليه مقالة قال فيها:

(هذه قطعة من حديث سمعتها بين اثنين، أنقلها كما سمعتها:

– …… وأن مثلهم في ذلك كمثل الإخوة والعمليق

قال: وكيف كان ذلك؟

قال: زعموا إن إخوة سبعة ورثوا عن أبيهم قصراً عظيماً وأموالاً طائلة، فأطلقوا لأنفسهم فيها العنان تبذيراً وإسرافاً. وكان بجوارهم عمليقٌ قويُ العضل، مفتولُ الساعد، رأى ما هم فيه فاتصل بهم وخالطهم، فعرف دخيلة أمرهم، وعجْز حيلتهم، فبيّتهم في نفر من أصحابه، فما استطاعوا لهم دفعاً، ثم تقاسموا أموالهم، وحبسوا كلاً منهم في غرفة، وضموا إليه أحدهم ليكون وصياً عليه، يبتز أمواله ويتصرف به كما يشاء!

ثم عرض لأصغر الإخوة عدو يريد أن ينتزع غرفته زاعماً أنها كانت معبداً لأسلافه قبل أن يمتلك أبوهم القصر، فهو يريد أن تعود إليه، فأبى ذلك عليه الأخ، وأصر هذا على غرضه، فتخاصما… وكان مع العدو سلاح وعدة وليس عند ذاك إلا هراوته.

فدافعه بها ما استطاع واستصرخ إخوته.

فهاجوا وصاحوا بالعمالقة: إننا نحتج وننكر هذا الاغتصاب ونعلم أننا محقّون، وإن لم تردعوا هذا العدو فعلنا وفعلنا…

وما زالوا يصيحون حتى بُحّت أصواتهم وانشقت حناجرهم، ثم آووا إلى غرفهم فناموا هادئين يحسبون أنهم صنعوا شيئاً، وملأ أهل العدو وشيعته الدنيا شكاة وعويلاً…

قال: وماذا يكون بعدُ إلا ما كان قبلُ؟ سيصبحون فيجدون الأخ مقتولاً! والعدو الدخيل مالكاً! والعمليق بادية نواجذه من الضحك عليهم، والأمل في القضاء على ما بقي من عزهم!

ثم يقول الشيخ الطنطاوي: هذا ما سمعته من حديثهما، والفطن من فهم). انتهى كلامه رحمه الله.

قلت: والذي يبدو لي أن الشيخ رحمه الله قد دعته مشاغله إلى الانصراف قبل أن يكمل الاثنان القصة، فأحببت أن أنقل إليكم بقية الحكاية، كما سمعتها:

قال المتحدث: غير أن الإخوة لم يعرفوا طعم النوم، إذ كان صراخ أخيهم يقلق مضاجعهم، ويزعج مسامعهم، وينغص عليهم رغد عيشهم. فلما طال بهم السّهاد، وطيّر صراخ أخيهم من أعينهم الرقاد، عزموا أن يهبّوا لنصرته، ويدفعوا الظلم عنه. فلما بلغ الأمرُ العمليقَ جمعهم فذكّرهم فضله وأنذرهم بطشه، وتوعّدهم إن هم أصرخوا أخاهم أن يثب عليهم فينتزع منهم غرفهم انتزاعاً، ويمنع عنهم عونه فلا يقدرون بعد ذلك على التحكم في رقاب العبيد، ولا التنعّم في طارف ولا تليد.

فتنازعوا أمرهم بينهم، وأسرّوا النجوى، فعلموا عجزهم وقلة حيلتهم، فآثروا السلامة، واشتروا العاجلة بالباقية، وصاروا في صف العدوّ على أخيهم، وتقرّبوا إلى العمليق بالبعد عن أخيهم والبراءة منه، وصمّوا عنه آذانهم، وسدوا في وجهه أبوابهم، وأقاموا السدود بينه وبينهم، ومنعوه رِفدَهم، ثم عادوا إلى غرفهم، ينتظرون أن يموت من الجوع والمرض، فيستريحوا من صراخه، ويتخففوا من عنائه، ويعيشوا من بعده –كما يظنون- في مُلكِهم آمنين.

قلت: ثم اضطرتني مشاغلي إلى الانصراف، ولم أسمع تتمة الحكاية، فلعل أحداً ينقل لكم بقيتها الآن، لا بعد ثمانين عام.

 

تعليق واحد على “تتمة الحكاية”

  1. تتمة الحكاية أضاف بتاريخ

    لعل تتمة الحكاية تكون أفضل، أسأل الله أن يعيد الإخوة إلى رشدهم، وأن يكسر شوكة العمليق ومن عاونه،،،

    سلمت يمينك،، ومتابعون لمقالاتك في النبأ والبلاد،،،،

شارك بتعليقك

*