الأزهر وفتوى الجدار

(نشر في صحيفة البلاد اليومية البحرينية – 6/1/2010)

الفتوى التي أصدرها مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف مؤخراً تأييداً لبناء سد فولاذي تحت الأرض على حدود قطاع غزة المحاصر، والحكم بأن ذلك حلال شرعاً، هي فتوى تبعث على الاستغراب.

ليس المقصود هنا مناقشة هذه الفتوى من الناحية الفقهية، فلهذا المجال علماؤه وأهله. ثم إن الأمة باتت تعرف من أين تأخذ أحكام دينها ودنياها، إذ لم تعد جبّة العالِم ولا عمامته كافيةً لأن يقول فيسمع الناس، ويأمر فيطيعون، فلهذه المكانة استحقاقاتها التى لا يتسع المجال هنا للحديث عنها.

لكن مبعث العجب والاستغراب هو أن يكون لشيخ الأزهر وعلمائه (الرسميين) موقف مما يجري في فلسطين عموماً ومن الوضع في قطاع غزة على وجه التحديد، ناهيك أن تصدر عنهم فتوى في ذلك. 

فعندما صافح شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي رئيسَ الكيان الصهيوني شمعون بيريز خلال مؤتمر الأديان في الولايات المتحدة قبل عام، وانتقده العلماء وعابت عليه فِعْلتَه جماهيرُ المسلمين، ردّ بأنه لم يكن يعرف أن الشخص الذي قام بمصافحته بحرارة وضغط بكلتا يديه على يده هو الرئيس الصهيوني!

وعندما قيل له إن هذا الشخص هو المسؤول عن قتل الفلسطينيين وعن حصار غزة، كان رد فضيلته: “ليس لدي علم بحصار غزة”، وأضاف أن هذه المسألة ليست من “شغله”، وإنما من “شغل” وزير الخارجية.

وعندما انتُقد شيخ الأزهر مرة أخرى منتصف العام الماضي لجلوسه على المنصة في كازاخستان إلى جانب الرئيس الصهيوني، ثار شيخ الأزهر وقال إنه يرفض أن يملي أحد عليه مواقفه.

وخلال ما يقرب من أربع سنوات من حصار غزة، ومع ما يحدث في القدس من تهويد واستيلاء على الممتلكات وطرد لأهلها المسلمين، وعمليات حفر تستهدف هدم المسجد الأقصى وتقويض أساساته، وخلال حرب شرسة استمرت اثنين وعشرين يوماً صب خلالها الجيش الصهيوني آلاف الأطنان من أسلحته المحرمة على النساء والأطفال والشيوخ في غزة، خلال كل ذلك لم نسمع لشيخ الأزهر ولا لعلمائه (الرسميين) صوتاً.

لهذا كله اقتنعنا أن ما يحدث في غزة وفلسطين أمر لا يعني الأزهر وشيخه وعلماءه في شيء، وأن هذه المسألة –وبحسب تصريح شيخ الأزهر نفسه- ليست “شغلته” ولكنها “شغلة” وزير الخارجية.

لذا، فأن يخرج شيخ الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية بالأزهر عن صمتهم اليوم ليفتوا بجواز بناء الجدار الفولاذي على حدود غزة، ويصفوا الذين أفتوا بحرمة هذا العمل بأنهم مخالفون للشرع، لهوَ أمر يبعث على السخرية الحزينة، لأنه يصدر عن جهة ارتضت لنفسها طوال هذه المدة أن تكون متفرجة، وآثرت الصمت وأحجمت عن إصدار الفتاوى في عشرات من المواقف المصيرية التي كانت فيها جماهير الأمة تحترق من داخلها، وتتطلع إلى العلماء ليخبروها عن حكم ما يجري من عجائب في زمن العجائب.

إن جماهير الأمة لم تعد تلتفت إلى أنصاف المُفتين، أولئك الذين يفتون في أنصاف المسائل، ويسكتون عن أنصافها، من قبيل الفتوى بجواز السلام مع اليهود من باب “وإن جنحوا للسلم فاجنح لها”، والسكوت عن حكم الإسلام في التفريط في الأرض والحقوق والمقدسات، أو الفتوى بحل بناء جدار الموت “حفاظاً على الأمن القومي”، والسكوت عن حكم إغلاق المعابر وتجويع الناس ومنع الدواء عن المرضى.

إننا لم نسمع حتى الآن نصاً شرعياً يبيح حصار المسلمين، لكن أكثرالمسلمين يحفظ ولاشك قول النبي صلى الله عليه وسلم: “ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به”، غير أن عذر أولئك المفتين سيكون على الدوام أنهم لا يعلمون.

شارك بتعليقك

*