هل ساهم العمل السياسي في تفكك المجتمع البحريني؟

(نشر في صحيفة البلاد اليومية البحرينية – 13/1/2010)

يختلف المراقبون والمعلقون في تقييمهم لمسيرة ثماني سنوات من الحياة البرلمانية في البحرين، فهناك من يراها فشلاً ذريعاً لا نجاح فيه، وهناك من يرى فيها إنجازات كثيرة، وهناك من يرى أنها لا ترقى إلى الطموح وأنها لا تخلو من إخفاقات وخيبات أمل وإن كانت لا تخلو كذلك من بعض الإنجازات. ولسنا هنا معنيين بتأييد أي من هذه الآراء، إذ لا شك أن كلا منها ينبع من رؤية صاحبه ومنطلقاته، كما أن بعضها لا يخلو من أن يكون انعكاساً لمواقف أصحابها من مكونات البرلمان في صورته الحالية.

لكنني أزعم أن الذي لا يكاد يختلف فيه اثنان هو أن الحياة البرلمانية –رغم وجود إيجابيات لها- قد ساهمت مساهمة مباشرة في إحداث شرخ ملحوظ في العلاقات المجتمعية، فمنذ انتخابات 2002 تأثرت خارطة العلاقات الاجتماعية والأهلية في المجتمع البحريني سلباً إلى حد لا تخطئه العين، وهذه عينة جزئية سريعة لما أعنيه:

فمن ناحية ألقت الانتخابات بظلالها القاتمة على العلاقات بين الجمعيات الأهلية، إذ كان للتنافس والتنازع على المقاعد البرلمانية دور كبير في إضفاء نوع من الفتور على العلاقة بين هذه الجمعيات في أحسن الأحوال، في حين وصل الأمر في بعض الأحيان إلى العداوة الصريحة أو الخفية. وأضحت تحركات بعض هذه الجمعيات ومبادراتها تقابل من الأطراف الأخرى بهواجس تسعى إلى تحليل الدوافع والتشكيك في النيات وتفسيرها على أنها تحركات تهدف إلى كسب سياسي، فانحسرت مساحات واسعة من العمل المشترك والتعاون المتبادل الذي كنا نراه في سنوات سابقة، بل ووصل التنافس فيما بين هذه الجمعيات في بعض الأحيان إلى درجة التنافس المذموم، ناهيك عن الأطروحات الطائفية التي صارت اليوم أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. والذي يذكر الحراك النشط الذي كان يجمع الجمعيات الأهلية قبل بدء الحياة البرلمانية، ويسترجع الفعاليات المشتركة التي كانت تقام حتى إلى فترة ما قبل الانتخابات الأولى، يدرك تماماً مقدار التراجع الذي حدث منذ ذلك الحين على هذه العلاقات.

ومن ناحية العلاقات المناطقية، أي تلك التي تربط أبناء المنطقة الواحدة، لا شك أن الانتخابات ساهمت بشكل أو بآخر في تفكيك كثير من الروابط التي كانت فيما مضى تتسم بالقوة والحميمية، وخصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار أن الانتخابات –بطبيعتها- تقتضي اصطفاف بعض أبناء المنطقة الواحدة وراء مرشح وتأييده في مواجهة مرشح آخر من نفس المنطقة. وقد يتضح هذا التأثير بصورة أكبر حين يتعلق الأمر بالمنافسة بين مرشحين من عوائل مختلفة.

أما العلاقات الفردية فلم تسلم هي الأخرى من تأثير العمل السياسي، إذ غدا الميل السياسي –في رأيي- أحد المعايير التي يتخذها البعض في الحكم على الأشخاص، والمسطرة التي يقيسون بها بعد ذلك الشخص أو قربه منهم. وأصبح الحكم على آراء الناس وتصرفاتهم ينطلق من الموقف المسبق من توجه قائلها ومَيله السياسي، لا من كون هذه الآراء والتصرفات صحيحة أو خاطئة في ذاتها.

أزعم أن للعمل السياسي تأثيرات سلبية يغفل المجتمع أو يتغافل عنها، وأزعم أن هذه التأثيرات تحتاج إلى من ينتبه إليها، ويدرس طريقة الحد من أضرارها على النسيج المجتمعي، في بلد عرف دائماً بتماسكه وتشابك العلاقات الاجتماعية والأهلية فيه، إلى الدرجة التي لا تحتمل التفريط في هذه العلاقات من أجل مكسب سياسي هنا أو هناك.

تعليق واحد على “هل ساهم العمل السياسي في تفكك المجتمع البحريني؟”

  1. الفقيرة إلى الله أضاف بتاريخ

    إن خطة الغرب لتفريق الشمل والأخوة في المجتمعات العربية انطلقت تحت مظلة الديمقراطية

    وعلى طريقة ” اتركوا الإخوة يتصارعون لنحصل نحن على ما نريد في سلام”

    فكان للغرب ما أراد لنا ولكن ماذا سنريد نحن لأنفسنا ؟

    صدقت .. وبوركت

شارك بتعليقك

*