بين زعامة وزعامة

(نشر في صحيفة النبأ الأسبوعية البحرينية – العدد 83 – 20/1/2010)

قبل أيام، علّم أردوغان الصهاينة أن لتركيا كرامة لا يمكن لهم أن يستهينوا بها، حين هدد بسحب سفيره من تل أبيب ما لم يقدم الصهاينة اعتذاراً مكتوباً على إهانتهم للسفير. وباختصار، استوعب الصهاينة الدرس، ولا أظنهم سينسونه.

استمعت إلى تصريح أردوغان بعد وصول الاعتذار الصهيوني، الكلمات كانت تنضح بالعزّة، علمت عندها كيف يبدو الزعماء حين يدافعون عن كرامة أوطانهم ثم يخرجون منتصرين.

عبارة واحدة قالها أردوغان أحسب أنها لم تكن موجّهة إلى الصهاينة، بقدر ما هي موجهة إلى هؤلاء الذين طال عليهم الأمد، حتى نسوا مثل هذه المواقف. قال أردوغان: “الذين تعذر عليهم الاستفادة من هذه الدروس عليهم تحديد مواقفهم ومسيرتهم القادمة وفقاً لذلك”.

للذين يحتاجون إلى الأمثلة العملية، فإن ما فعله رئيس الوزراء التركي هو مثال عملي على ما دعا إليه مراراً وتكراراً علماء الأمة ومخلصوها، وعلى رأسهم الشيخ يوسف القرضاوي ورئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل. فكثيراً ما توسلوا إلى زعماء العرب أن يتعلموا قول (لا)، وأن يلوّحوا –مجرد تلويح- بسحب المبادرة العربية، أو قطع العلاقات الدبلوماسية مع الصهاينة وسحب السفراء، فقط ليقولوا للصهاينة المتغطرسين أن العرب ما زالوا أحياء، وما زالت بأيديهم بقية من أوراق يستطيعون استخدامها. لكن هذه الدعوات كثيراً ما قوبلت بالتجاهل والصد.

القضية هي أن الزعماء –على عادة الزعماء الحقيقيين- يبنون شعبيتهم من المواقف الصلبة والحاسمة التي يتخذونها، ويستمدون مكانتهم من المكانة التي يصنعونها لأوطانهم. هذا مفهوم. أما الذي لا أستطيع فهمه فهي تلك المكانة الكاذبة التي يحاول البعض أن يصنعها لنفسه دون أن يكون له رصيد يتكئ عليه.

وللذين لا يستوعبون إلا بالأمثلة العملية، فإن المثال العملي يأتينا هذه المرة من رام الله، فقد قامت الدنيا ولم تقعد، وجنّدت وسائل الإعلام، واستثير المتمصلحون من أئمة المساجد، للهجوم على العلاّمة الدكتور يوسف القرضاوي، بحجة “تطاوله” على رأس السلطة هناك (لاحظ مصطلح “التطاول” هنا، وحاول إسقاط معناه اللغوي على واقع الأمر، تجد في الأمر مفارقة أخرى!).

وتتبعت ما قاله الشيخ القرضاوي، فوجدته قد قال إن من يثبت تورّطه في هذا الأمر (أي في حث الصهاينة على تدمير غزة) فإنه يستحق الرجم في مكة عقابًا على خيانته إخوته في غزة، ورضوخه للتهديدات الصهيونية.

ومع أن هذا المبدأ مما لا يمكن الاختلاف عليه، ولأننا أمة ليست ككل الأمم، فإن كلام الشيخ اعتبر جريمة، إذ كان عليه أن يدعو بطول العمر للذين ساندوا الأعداء على أبناء أمتهم ووطنهم، في حين تعتبر الأمم الأخرى أمثال هؤلاء خونة عملاء.

ولأن هذه الأمة ليست ككل الأمم، فإن الزعيم فيها إذا عجز عن شراء ود الجماهير طوعاً، فإنه لا يتورع في أن يحاول إرغامهم على احترامه بالحديد والنار، وبالشتائم والسباب، وبالكذب والتدليس، وبالتطاول على رموزهم وكبار رجالهم، ولكن هيهات أن يبني ذلك مجداً أو يصنع مكانة. 

شارك بتعليقك

*