زلزال هاييتي والإنسانية المجزوءة

(نشر في صحيفة النبأ الأسبوعية البحرينية – العدد 84 – 27/1/2010)

لا. ليس المسلمون أمة من القساة غلاظ الأكباد، الذين لا تحركهم مصائب الآخرين، ولا تحزنهم نكبات الأمم الأخرى، كما يحاول البعض -بمناسبة وبغير مناسبة، وبالتلميح تارة وبالتصريح أخرى- أن يصفهم. فالإنسانية في الإسلام صفة ترتقي لتغدو عبادة يثاب فاعلها. ولئن كانت هذه الصفة مطلوبة في الإسلام تجاه الحيوان والنبات، فكيف إن كانت تجاه أناس من بني البشر.

بالتأكيد تتفتت الأكباد وتدمع العين حين ترى مشاهد الدمار والموت التي حلت بالشعب الهاييتي جراء الزلزال المدمر الذي حل بدارهم، وهل يملك إنسان في صدره قلب ينبض إلا أن يتألم؟

لكن من حق المسلمين كذلك أن يتملكهم العجب، وأن يشعروا بالغضب، حين يرون أنهم يعاملون كبشر من الدرجة الخامسة أو العاشرة، بل حين يرون أن العالم لا يرضى لهم حتى معاملة الحيوانات.

بادرت الولايات المتحدة إلى إرسال ثلاثة عشر ألف جندي إلى هاييتي فور وقوع الكارثة، وتقاطرت العشرات من فرق الإنقاذ من جميع دول العالم إلى هناك لإسعاف الجرحى وإيواء المشردين. وفتحت الحدود لاستقبال اللاجئين، وحطت في مطار هاييتي عشرات الطائرات التي تحمل المعونات والغذاء والدواء.

في المقابل، حين دكت الأسلحة الصهيونية غزة قبل عام، لم يحرك أحد ساكناً، بل على العكس، سارعت الدول إلى إغلاق حدودها أمام الغزاويين، ومنعتهم من اللجوء إلى أراضيها، في انتهاك صارخ للمواثيق الدولية، ناهيك عن القيم الإنسانية. ثم لما انقشع الغبار عن بلد مدمر وشعب صامد، استمر الحصار، ومنع الغذاء والدواء، وأعيقت عمليات إعادة الإعمار، وبقي الغزاويون دون مأوى منذ ذلك الحين، وما فتئ الحصار يشتد يوماً بعد يوم.

لا يجادل أحد في أن الإنسانية والدين كليهما يوجبان الوقوف مع الشعب الهاييتي في محنته، لكننا لن نحتقر عقولنا -كما يريد البعض منا أن نفعل- ولن نمجد ما فعلته بعض الدول -وعلى رأسها أمريكا- لهاييتي. ولن يقنعنا أحد أن أمريكا وغيرها أكثر إنسانية ورحمة من المسلمين، فالإنسانية صفة لا تتجزأ، والرحمة خصلة لا تتلون بتلون المواقف السياسية، إذ حينها لا تعدو هذه الصفات أن تكون ضرباً من النفاق الذي يبعث على الغثيان.

لا. لم تعد تستهوينا صور الجنود الأمريكان وهم يخرجون كلباً من تحت الأنقاض، في مشهد تمثيلي ممل مكرر، فقد رأينا بأم أعيننا كيف كانت الإمدادات العسكرية الأمريكية للصهاينة تحيل المباني إلى أنقاض تدفن تحتها العشرات من البشر في غزة، وكيف يساهم جنودها اليوم على حدود سيناء في الإجهاز على ما تبقى من حياة غزة، وكيف تسرق طائراتها كل يوم حياة الأطفال في أفغانستان.

لا. ليس هؤلاء أكثر إنسانية من المسلمين، فأمثال هؤلاء يستمتعون بالنظر إلى دماء البشر ليل نهار، لا يصدهم عن ذلك رادع من دين أو خلق، بينما يؤمن المسلمون أن الرحمة بكلب قد تنتشل مومساً من جحيم المعصية، لتنقلها إلى نعيم الجنان.

شارك بتعليقك

*