بعد فشل تلميع الصورة هل ينجح تكميم الأفواه؟

(نشر في صحيفة البلاد اليومية البحرينية – 1/2/2010)

في 2004 أسست الإدارة الأمريكية قناة (الحرّة) الفضائية بهدف تحسين صورتها المهترئة لدى الشعوب العربية، ووفرت لها الدعم المادي والمعنوي. وقد تمثلت آخر صور الدعم في إقرار الكونجرس الأمريكي تخصيص مبلغ 112 مليون دولار لدعم القناة في عام 2010م، مما أوصل الفاتورة التي دفعتها الإدارة الأمريكية للقناة منذ تأسيسها إلى أكثر من 650 مليون دولار من أموال دافعي الضرائب.

غير أن (الحرّة) فشلت فشلاً ذريعاً في كسب ثقة المواطن العربي، فضلاً عن تحسين الصورة الأمريكية، حيث أشارت استطلاعات الرأي التي قامت بها جامعة ماريلاند الأمريكية إلى أن هذه القناة حظيت بنسبة مشاهدة لا تتعدى 2% في العالم العربي عام 2008 مقارنة بـ 53% حظيت بها قناة الجزيرة. أما في عام 2009 فقد انخفضت هذه النسبة لتصل إلى حوالي نصف في المائة. والذي يظهر من هذه الأرقام هو أن الإدارة الأمريكية نسيت أو تناست أن مزاج الشعوب العربية يرفض الثقة بكل ما هو مرتبط بالإدارة الأمريكية، وذلك بسبب المواقف المعروفة لهذه الإدارة من القضايا العربية والإسلامية.

وفي حين استطاعت الولايات المتحدة إحداث اختراق إعلامي من خلال بعض قنوات التسلية العربية، والتي يديرها أو يملكها بعض المفتونين بالنموذج الأمريكي والمتحمسين لأمركة المجتمعات العربية، فإن هذا الاختراق بقي في الغالب محصوراً في مجال إثارة الغرائز وتصدير الانحلال الخلقي من خلال استيراد البرامج الهابطة أو تعريبها لتقدم في البيئة العربية، ولم يصل إلى حد إقناع هذه الشعوب بالمواقف الأمريكية، وخصوصاً تلك المتعلقة بالإسلام أو بالقضية الفلسطينية وغيرها من قضايا الأمة.

ويبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية فطنت إلى فشلها إعلامياً في تلميع صورتها لدى الشعوب العربية والإسلامية، فلم تجد بداً من اللجوء إلى سياسة تكميم الأفواه وتقييد الحريات. وعلى الرغم من أن أمريكا كانت ولا تزال تبشر بحرية التعبير في العالم، وتنشر مؤسساتها عشرات التقارير السنوية التي تصنف الدول حسب التزامها بحقوق الإنسان وحرية التعبير والإعلام، وتمارس الإدارة الأمريكية ضغوطاً على مختلف الدول في هذا المجال، إلا أن السجل الأمريكي في مجال الحرية الإعلامية بدأ يمتلئ بالسواد، وعلى الأخص ضد الأفراد والمؤسسات الرافضة للسياسات الأمريكية في المنطقة، والمعادية للممارسات الإرهابية الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني ومقدساته، والأمثلة في ذلك كثيرة.

فكلنا يتذكر السوداني سامي الحاج، مصور قناة الجزيرة، الذي بقي محتجزاً لدى السلطات الأمريكية لأكثر من ست سنوات دون توجيه اتهام له، مما أكد أن ذنبه الوحيد كان توثيق ما يجري في أفغانستان من فظائع كانت ترتكب تحت مسمى القضاء على الإرهاب.

الخطوة الجديدة في هذا السياق تتمثل في تهديد الولايات المتحدة بفرض عقوبات على مشغلي الأقمار الصناعية العربية ما لم يتخذوا قراراً بمنع بث قنوات فضائية تعتبرها أمريكا إرهابية (مثل قناتي الأقصى التابعة لحماس، والمنار التابعة لحزب الله).

أما الخطوة الأحدث في سياسة تكميم الأفواه فهي إلقاء القبض منذ أيام على المنشد الإسلامي الكبير محمد أبو راتب نائب رئيس رابطة الفن الإسلامي العالمية، بتهمة العمل في منظمة الأرض المقدسة عام 1997م. الغريب في الأمر أن هذه المنظمة كانت في تلك السنوات مسجلة بصورة رسمية في الولايات المتحدة، بل وكانت التبرعات لها معفية من الضرائب، ولم تصنّف كمنظمة تدعم الإرهاب إلا في السنوات الأخيرة ضمن الحرب التي تشنها الولايات المتحدة على العمل الخيري الداعم للشعب الفلسطيني، مما يثير الشكوك في أن الهدف غير المباشر من هذه الخطوة هو إسكات صوت إعلامي وفني عُرف بالشدو للمقاومة والتغني بحب الأقصى وفلسطين.

إذا كانت الولايات المتحدة قد فشلت في تجميل صورتها لدى الشعوب العربية والإسلامية بالطرق السلمية، فإن تكميم الأفواه وحجر الحريات بالتأكيد لن يكون العطار الذي يستطيع إصلاح ما أفسدته السياسة وخرّبه الاستكبار. 

شارك بتعليقك

*