لسان صاحب السعادة

(نشر في صحيفة النبأ الأسبوعية البحرينية – العدد 85 – 3/2/2010)

رأيته وقد تجمع حوله جماعة يصافحونه ويهنئونه. كانوا يحمدون الله على سلامته، فتقدمت وصافحته. قلت له: الحمد لله على السلامة يا بوفلان. سلامات! عسى ما شر؟ هل أصبت في حادث؟ ضحك وقال: لا، بسيطة، لكنني للتو نجوت من لسان صاحب السعادة. بصراحة لم أفهم شيئاً. فتطوع بعضهم ليشرح لي ما حدث.

كان الجماعة قد انتهوا للتو من لقاء مع صاحب السعادة بناء على طلب منه، إذ كان سعادته يريد الترويج لبعض مبادراته والتحدث عن بعض إنجازاته. وكان جو اللقاء حميمياً، تتخلله عبارات الترحيب والشكر والإشادة قبل كل عبارة، وكانت الابتسامة لا تفارق وجه صاحب السعادة وهو يسمع عبارات الإطراء وكلمات الثناء. وبين كل مداخلة ومداخلة، كان سعادته يشجع الحاضرين على الصراحة، ويذكّرهم أنه وأصحابه ما جاؤوا إلى هذا الاجتماع إلى للاستماع إلى مختلف وجهات النظر، وأن العمل لا يتطور إلا بالنقد وإبداء الملاحظات.

يقول صاحبنا: فتملكتني الحماسة وأنا أسمع هذا التشجيع، حتى إنني تخيلت من فرط شفافية الرجل أنني أستطيع من خلاله رؤية الجدار خلفه. فاستأذنت في الحديث فأذن لي. فبدأت بشكر سعادته على سعة صدره وكريم خصاله، ثم قلت: إنني سأقرب فكرتي بأمثلة ثلاثة توضح أن الصورة ليست وردية بالكامل، وأن هناك من يسيؤون إلى سمعة هذه المبادرات الوطنية من خلال بعض الممارسات التي تتعارض مع ما تكلم به سعادته من تساوي الفرص والعدالة والشفافية، وأنني أرى أن يعمل صاحب السعادة والمسؤولون معه على علاج هذه الثغرات قبل أن يفقد الناس الثقة في هذه المشروعات الرائدة.

يقول صاحبنا: فلما انتهيت من المثال الأول، علق صاحب السعادة تعليقاً ساخراً، فقلت لنفسي: إن الرجل من تواضعه حاضر النكتة، يحب الدعابة. فلما سردت المثال الثاني اختفت الابتسامة من على وجه سعادته، وتململ في كرسيه. فما كدت أنتهي من المثال الثالث حتى اندفع صاحب السعادة ثائراً، وارتفعت نبرة صوته وهو يقول: هذا عيب! عيب عليكم هذا الكلام! أنتم تريدون تدمير البلد، وزرع الفتنة، وشيء كثير من هذا الكلام البعيد عن جوهر القضية، والأقرب إلى العبارات المكررة الجاهزة كلما أراد أحد أن ينبه إلى خطأ أو يدعو إلى إصلاح.

الذي فهمته من الحاضرين أن ما أصاب صاحبي من غضب صاحب السعادة أمر لا يذكر أمام ما كانوا يتوقعونه، فقد عرفوا سعادته شديد الغضب كلما حاول أحد أن يوجه إليه شيئاً من النقد.

والذي فهمته أن الله قد رزق صاحب السعادة لساناً سليطاً، لا يتورع عن استخدامه كلما تملكته سورة من الغضب، وأنه كان الليلة –على غير العادة- رفيقاً بصاحبنا، فلم يسمعه شيئاً من الشتيمة والسباب التي نالت من قبل عدداً من علية القوم ووجهاء الناس، حتى أصبح الناس يتقون لسانه بمعسول المجاملات وأقنعة الابتسامات.

فلما أطالوا الكلام، وذكروا من الأمثلة الكثير، تقدمت فعانقت صاحبي، ورحت أهنئه بالسلامة مع المهنئين. 

شارك بتعليقك

*