العالم المتحضر حين يدافع عن المجرمين

(نشر في صحيفة البلاد اليومية البحرينية – 8/2/2010)

في نوفمبر من عام 1998، أميط اللثام عن قضية الممرضات البلغاريات الخمس والطبيب الفلسطيني الذين قاموا بحقن 400 طفل ليبي بدم ملوث بفيروس الإيدز. وقد هزت هذه الحادثة المجتمع الليبي، وأدت إلى استنفار الدول الأوروبية على مدى تسع سنوات. وبعد أن حكم على الستة بالإعدام، استطاعت زوجة الرئيس الفرنسي إطلاق سراحهم في يوليو 2007 على أن يحاكموا في بلغاريا.

وفي 25 أكتوبر 2007م ألقت السلطات في تشاد القبض على ستة فرنسيين يعملون في إحدى المنظمات الإغاثية غير الحكومية في دارفور. كان هؤلاء حينها يستعدون لمغادرة العاصمة التشادية على متن طائرة خاصة وبرفقتهم مائة وثلاثة أطفال تتراوح أعمارهم بين الثالثة والثامنة. خلال التحقيق ادعى الفرنسيون أن جميع هؤلاء الأطفال من الأيتام ضحايا “المذابح” التي كانت تجري في أقليم دارفور غربي السودان، ودافعوا عن أنفسهم بأن هدفهم من نقل الأطفال كان إنقاذهم من ويلات الحرب في دارفور، وأن الاستعجال من أجل سلامة الأطفال كان أكثر أهمية عندهم من اتباع الإجراءات القانونية والحصول على التصاريح اللازمة في مثل هذه الحالات.

بعد التحقيقات التي أجرتها الحكومة التشادية، اتضح أن الغالبية العظمى من هؤلاء الأطفال لم يكونوا سودانيين ولا حتى أيتاماً، وإنما كانوا أطفالاً أخذوا من قرى تشادية نائية دون علم عائلاتهم، وأن الفرنسيين الستة كانوا قد اتفقوا على بيع الأطفال لعائلات فرنسية بهدف التبني. وأمام هذه الحقائق، أودع الفرنسيون الستة السجن في تشاد.

وفي التاسع والعشرين من يناير الماضي ألقت السلطات في هاييتي القبض على عشرة أمريكيين يعملون لصالح كنيستين في ولاية إيداهو الأمريكية، حيث كانوا يستعدون لعبور الحدود إلى جمهورية الدومنيكان على متن حافلة تقل 33 طفلاً من هاييتي التي دمرها زلزال قوي في الثاني عشر من الشهر نفسه.

ساق المعمدانيون العشرة العذر نفسه، لقد كانوا يسعون إلى مساعدة هؤلاء الأيتام المنكوبين بأسرع وقت ممكن، ولم يكن بالإمكان الانتظار لحين إستكمال الإجراءات اللازمة. أما السلطات الهاييتية فقد ذكرت أن معظم الأطفال –التي تراوحت أعمارهم بين الثانية والثانية عشرة لم يكونوا أيتاماً أنقذوا من ملاجئ دمرها الزلزال كما حاولت الأمريكيون الادعاء، وإنما كانوا أطفالاً أخذوا من ذويهم بعد أن أُقنع هؤلاء أن الأطفال سيعيشون في رفاهية مع عائلات أمريكية.

الذي حصل هو أن الممرضات البلغاريات الخمس –والطبيب الفلسطيني الذي نالته بركات العيون البلغارية الزرقاء- تم ترحيلهم من ليبيا إلى بلغاريا على متن طائرة رئاسية فرنسية. ولكن، وقبل أن تحط الطائرة التي كانت تقلهم في بلغاريا، أصدر الرئيس البلغاري عفواً رئاسياً عن الستة حيث أطلق سراحهم بعد أن استقبلوا هناك استقبالاً جماهيرياً.

أما الفرنسيون الستة الذين اختطفوا 103 أطفال من السودان وتشاد، فقبل أن تمضي على الحادثة عشرة أيام، وصل الرئيس الفرنسي ساركوزي إلى العاصمة التشادية وتسلّم السجناء، وعاد بهم في طائرته الخاصة إلى باريس ، ولا أدري ما الذي حل بهم بعد ذلك.

ويبدو أن الأمر نفسه سيتكرر مع الأمريكيين العشرة في هاييتي، فمع أنهم لا زالوا –حتى كتابة هذه السطور- في السجون الهاييتية، إلا أن جميع المؤشرات تدل على أن تسعة منهم على الأقل في سبيلهم إلى الحرية، بحجة أنهم كانوا يجهلون أن ما قاموا به يخالف القوانين.

هناك سؤال واحد يلحّ عليّ وأنا أتابع هذه المهازل الإنسانية: ماذا لو صدرت مثل هذه الجرائم –أو عُشرها- من أعضاء في منظمات خيرية عربية أو إسلامية؟ ماذا يا ترى سيكون مصير هذه المنظمات؟ الذي يحصل الآن هو الجواب، فمن دون سبب، ولا اتهامات محددة، ولا جرائم ثابتة، تغلق مؤسسات العمل الخيري الإسلامي، وتجمد أو تصادر أرصدتها، ويلقى القبض على أعضائها، ويلقون في السجون الأمريكية والأوروبية، ويضيق عليهم في بلدانهم، بينما المجرمون الحقيقيون من السرّاق وقتلة الأطفال يعاملون هناك معاملة الأبطال.

تعليق واحد على “العالم المتحضر حين يدافع عن المجرمين”

  1. أحفاد خالد أضاف بتاريخ

    سؤال موجع!

شارك بتعليقك

*