إن الفتى من يقول كان أبي!

(نشر في صحيفة النبأ الأسبوعية البحرينية – العدد 87 – 17/2/2010)

عندما فاحت رائحة الفضيحة، ولم يعد بالإمكان التستر عليها، ولأنها لم تأت من حماس “أعداء عباس”، وإنما من الحلفاء الإسرائيليين، ولأنها جاءت بالصوت والصورة، فقد كان من الصعب تكذيبها، وصار من الضروري الحديث عنها من زاوية أخرى غير زاوية الإنكار، وبأسلوب آخر غير الأسلوب الساخر، الأقرب إلى أساليب المهرجين على المسارح الكوميدية.

الدفاع عن رفيق الحسيني رئيس مكتب الرئيس الفلسطيني و”بطل” الفضيحة هذه المرة جاء من باب أن رفيق الحسيني هو من عائلة الحسيني المعروفة بنضالاتها التاريخية، والتي عرف منها المجاهد الكبير عبدالقادر الحسيني، ومفتي القدس أمين الحسيني، وطفق المدافعون عنه يعددون مناقب الراحلين من العائلة المقدسية العريقة.

ديدن الفاشلين دائماً هو الهروب من مشكلات الحاضر عبر التغني بأمجاد الماضي، وليس أكثر مهارة في استخدام أسلوب الفاشلين هذا من السلطة الفلسطينية، إذ كلما ارتفع صوت ينكر على السلطة ومتنفذيها وفاسديها ما يقترفونه بحق فلسطين وقضيتها وشعبها ومقاومتها، كان الرد الفوري هو أن حركة التحرير الفلسطينية (فتح) هي من أطلق الرصاصة الأولى، وأنها الحركة التي قدمت الشهداء والتضحيات، وأنها وأنها، لتصبح هذه الإسطوانة جواباً لكل سؤال، ودفاعاً أمام كل اتهام.

والغريب أن هؤلاء يتغنون بهذه الأمجاد في الوقت الذي يتنكرون فيه لها في كل تصرفاتهم وأفعالهم، إذ صارت مقاومة العدو جريمة يعاقب عليها القانون، ويستحق المؤمنون بها أن يعتقلوا ويسجنوا ويعذبوا، وحل التنسيق الأمني مع الاحتلال الصهيوني محل النضال، وأمسك الفاسدون والمفسدون من أمثال رفيق الحسيني والعشرات غيره بمفاصل القرار الفلسطيني، واقترنت حركة التحرير الفلسطيني بهكذا أسماء بدل أن تقترن بأسماء الشهداء والمناضلين.

من الحكم العربية البليغة البيت الذي روي من كلام الإمام علي رضي الله عنه:

إِنَّ الفَتى مَن يُقولُ ها أَنا ذا     لَيسَ الفَتى مَن يقولُ كانَ أَبي

ولكننا في زمن الانقلاب العربي صرنا نرى أن الفتى من يقول كان أبي، وصار البعض يتغنون بعظام الأجداد، ونجاحات الأولين، دون أن يكون لهم رصيد في زمانهم الذي هم فيه إلا من سقطات الفشل وعار الفضائح.

لكن الحق ليس على هؤلاء، فقد غدا هؤلاء المتاجرون بالقضية منذ زمن عراة مفضوحين، كعري رفيق الحسيني وافتضاح أمره، ولم تعد تكفيهم أوراق الدنيا كلها كي يستروا سوءاتهم وإن حاولوا.

الحق ليس على هؤلاء، إنما على الأنظمة العربية التي لا زالت تغدق عليهم الأموال والأعطيات، وهي تعلم علم اليقين أن أي فلس من ذلك لا يذهب لخدمة فلسطين، وإنما لجيوب تجار القضية، الذين فقدوا كل ما يربطهم بها.

الحق على هذه الأنظمة التي لا زالت تعتبر منظمة التحرير الممثل الشرعي الوحيد، حتى بعد تخلت عن القضية، وباعتها بأبخس الأثمان، أو بتعبير بعض الفلسطينيين بعد الفضيحة الأخيرة، حتى بعد أن تخلت عن الكفاح المسلح، وانخرطت في الكفاح “المشلح”.

شارك بتعليقك

*