من الأشد عداوة لعباس؟ إسرائيل أم حماس؟

(نشر في صحيفة البلاد اليومية البحرينية – 17/2/2010)

بعد أيام من سيطرة حماس على قطاع غزة منتصف يونيو 2007، أعلنت الحركة على لسان عدد من متحدثيها أنها وضعت يدها على وثائق وتسجيلات خطيرة ومخزية تتعلق بفضائح سياسية وجنسية وأخلاقية تورط فيها عدد كبير من الشخصيات البارزة في السلطة الفلسطينية. يومها صرح قادة حماس أنهم ليسوا في وارد نشر تلك الوثائق والتسجيلات أو تسريبها إلى وسائل الإعلام، وكان تبريرهم لهذا القرار هو أن دينهم وأخلاقهم تمنعهم من ذلك، والتزموا بما قالوا.

يوم الأربعاء الماضي كان الفلسطينيون على موعد مع فضيحة مدوية أخرى، فضيحة أخلاقية وسياسية ومالية، “بطلها” هذه المرة رئيس مكتب الرئيس الفلسطيني نفسه، وأحد أكثر الشخصيات الفتحاوية نفوذاً في السلطة الفلسطينية. لم يكن من أعلن عن هذه الفضيحة قادة حماس، وإنما الصهاينة عبر قناتهم العاشرة.

أعلنت القناة العاشرة أنها ستبث أدلة على ضلوع مسؤولين في السلطة الفلسطينية في فضائح فساد، ورغم اعتراضات عباس وحاشيته، إلا أن القناة نفذت ما وعدت به، ونشرت التقرير الفاضح.

كثيرة هي التحليلات التي حاولت أن تفسر سبب إقدام الصهاينة على بث مثل هذه الفضائح، وبشكل يمس أقرب المقربين إلى عباس، في هذا الوقت. البعض ربطها بصراعات مستشرية داخل مؤسسات حركة فتح، وأن ضابط المخابرات الفلسطيني الذي تعاون مع المخابرات الإسرائيلية في هذه القضية يتبع لعناصر في فتح تحاول تحطيم الرئيس الفلسطيني والزمرة التي تحيط به. وذكر البعض أن لدى الطرف المقابل في فتح أدلة وقرائن تفضح الطرف الذي قام بتسريب الفضيحة هذه المرة. أما البعض الآخر فقد ربط هذه القضية بمحاولة الصهاينة التخلص من عباس بعد أن فقد صلاحيته ولم يعد بالإمكان الاستفادة منه، وأنهم لذلك يحاولون اغتيال عباس سياسياً ودعم سلام فياض الأقرب إلى الصهاينة والأقدر على خدمتهم، ويدلل هؤلاء على ما يقولون بمشاركة فياض الأخيرة في مؤتمر صهيوني يتناول أمن إسرائيل، ويقولون إن تحركات فياض في الساحة الفلسطينية هذه الأيام تشي بتطلعاته لخلافة عباس، وخصوصاً أن دوره في السابق لم يتعد التنسيق الأمني مع الاحتلال والولايات المتحدة وإدارة الملفات المالية للسلطة، ولم يكن له حضور سياسي يذكر.

وبغض النظر عن صحة هذا التحليل أو ذاك، فإن الذي لا يمكن إنكاره هو أن تحت هذه الفضيحة الأخيرة ركاماً من الممارسات الساقطة يقوم بها متنفذون في السلطة الفلسطينية ليسوا بعيدين عن رأس السلطة نفسه، وأن ما كانت حماس قد أعلنته من قبل قد يفوق بكثير ما تم نشره في الإعلام الصهيوني.

في المقابل يبدو أن استناد عباس إلى الدعم العربي والدولي من جهة، واطمئنانه إلى وقوف هذه الجهات إلى جانبه ضد حماس وبقية فصائل المقاومة والممانعة الفلسطينية، هو الذي يوفر الحماية لهذه السلطة الفاسدة، ويضمن لها الاستمرار، حتى مع تكرار الفضائح وتواليها، ومع إمعانها في الخزي والعار كل مرة بدرجة تفوق سابقتها، وهو ما يمكن التدليل عليه بقيام عباس بمجرد تشكيل “لجنة تحقيق” بعد كل فضيحة، يكون مصيرها مجهولاً بمجرد أن تهدأ العاصفة وينقشع الغبار.

اللافت للنظر في هذه القضية هو الأسلوب الأخلاقي الراقي الذي تعاملت به حماس مع الموضوع، رغم مصلحتها في استثماره. فحتى هذا اليوم لم يصل شيء من الوثائق والتسجيلات التي سيطرت عليها حماس منذ أكثر من عامين –ولو تسريباً- إلى وسائل الإعلام. أما هذه المرة فيكفي حماس فخراً أن رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية نفسه أصدر قراراً يمنع فيه وسائل الإعلام في غزة –بما في ذلك قناة الأقصى التابعة لحماس- من بث هذا التقرير.

ويبقى السؤال بعد كل ذلك: ترى أيهما أشد عداوة لعباس؟ إسرائيل أم حماس؟ 

 

شارك بتعليقك

*