خطبة الديهي.. نظرة من زاوية أخرى

(نشر في صحيفة البلاد اليومية البحرينية – 2/3/2010)

أبرزت الصحافة المحلية الخطبة التي ألقاها الأمين العام المساعد لجمعية الوفاق الوطني الإسلامية حسين الديهي يوم الجمعة الماضية في جامع الصادق بالقفول، والتي سعى فيها إلى تهدئة ردود الأفعال التي أشعلتها مداولات جمعية الوفاق في مؤتمرها العام الذي عقدته بنادي طيران الخليج مؤخراً.

تصريحات الديهي كانت إيجابية، خصوصاً وأنها جاءت بعد تصريحات وصفها المتابعون بالتصعيدية والتأزيمية في مؤتمر الوفاق المذكور، والتي طالبت بتداول السلطة ونالت من بعض العوائل البحرينية، وحين يصرح مسؤول في الوفاق في مستوى مساعد الأمين العام باحترام الوفاق للعوائل البحرينية واعترافها بالشرعية القائمة، فهذا بلا شك أمر إيجابي، وتراجع عن الخطأ، ومحاولة جادة لاحتواء المشكلة ونزع فتيل الأزمة.

لكنني حين قرأت عن هذه الخطبة على صدر الصفحات الأولى من الصحف المحلية يوم السبت، لم أتمالك نفسي من العجب، فهذه الخطبة مثال واضح آخر على ما أثير مراراً وتكراراً من أن بعض المسؤولين يتعاملون مع بعض القوانين بأسلوب اليد الواحدة، ويدمنون النظر بعين واحدة، ويكيلون فيها بمكيالين.

المسألة هنا هي أن الشيخ الديهي، الأمين العام المساعد لجمعية سياسية استخدم منبر الجمعة ليلقي على المصلين بياناً سياسياً بامتياز، يوضح فيه رأي جمعيته من عدد من القضايا السياسية المحلية، ويشرح لهم موقف جمعيته من الدستور ونظام الحكم القائم في البلاد، ويبرر لهم تبني جمعيته خيار المشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة، بل ويرد في الخطبة على من انتقدوا جمعيته على خلفية مؤتمرها العام الأخير.

خطبة الديهي واحدة من عشرات الخطب السياسية التي تلقى من على أعواد المنابر، وتغض الطرف عنها إدارة الأوقاف الجعفرية، بالضبط كما تغض الطرف عن تطبيق قانون مكبرات الصوت، وقوانين أخرى تتعلق باستخدام دور العبادة، في مقابل عشرات الأمثلة الأخرى التي يتعرض فيها بعض خطباء الجمعة للمضايقة والتضييق والتحقيق من جانب إدارة الأوقاف السنية، والتي قد تصل أحياناً إلى درجة الإيقاف عن الخطابة، إذا هم تناولوا موضوعاً من الموضوعات الساخنة، مما تعده الإدارة شأنا سياسياً لا ينبغي تناوله في المساجد.

بداية، أنا لست من مؤيدي فصل السياسة عن الدين، إذا كان هذا يعني أن يعزل المسجد عن حياة الناس والمسائل التي تشكل واقعهم ومستقبل أبنائهم وقضايا أمتهم، وأرى أن المشايخ والعلماء مأمورون شرعاً ببيان الحقائق، والنصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم، وتوضيح رأي الدين في شؤون الدنيا، كل شؤونها. وأرى أن خطبة الجمعة ينبغي أن تكون شديدة الالتصاق بواقع المجتمع وقضايا الناس. لكنني في المقابل أرى أن تبعد المساجد عن أن تكون منابر للجمعيات السياسية، تلقي فيها البيانات الخاصة بها، ويستغل فيها اجتماع الناس للصلاة من أجل الترويج للمواقف السياسية والانتخابية المتعلقة بهذه الجمعيات. غير أن هذا ليس موضوعنا.

المسألة هنا هي أنه ما دام هذا القانون موجوداً فإن العدالة والإنصاف يقتضيان أن يتم تطبيقه على الجميع دون استثناء، فالقانون –كما يقال- فوق الجميع، لكن الملاحظ هو أن هذا القانون له ذراع واحدة فقط، ونظرة سريعة على تغطية الصحافة المحلية لخطب الجمعة كل أسبوع تغنينا عن التفاصيل.

من ناحية أخرى فقد بدا الأمر لي وكأن الدعوة إلى تطبيق هذا القانون تعتمد على مضمون الخطبة ومحتواها، لا على المبدأ نفسه. فالملاحظ هنا أنه تم إبراز هذه الخطبة دون الاعتراض على إقحام منبر الجمعة في قضية سياسية تخص جمعية معينة، وذلك على ما يبدو لأن مضمون الخطبة كان مقبولاً من الناحية السياسية. وهذه قضية تستحق التأمل والتوقف عندها إذا أردنا أن تتسم مواقفنا بالاتزان والمصداقية.

شارك بتعليقك