ياغوثاه!

          (بسم الله الرحمن الرحيم، من عبدالله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص، أما بعد، أفتراك تحيا ومن قِبَلك وأموت ومن قِبَلي؟ فيا غوثاه يا غوثاه يا غوثاه!)

          (إلى عبدالله عمر أمير المؤمنين من عمرو بن العاص، فقد أتاك الغوث، فلبّث لبّث، لأبعثن إليك بعيرٍ أولها عندك وآخرها عندي).

أقرأ هاتين الرسالتين وسط صفحات التاريخ، في عام الرمادة، يوم حل الجدب والقحط بديار الجزيرة. في ذلك العام، لم تعد الرياح تسوق المزن الممطرة، وإنما كانت تسفّ في العيون تراباً كالرماد.

أقرأ كيف وفى عمرو بما وعد، فأرسل من مصر الغوث والمدد. وأقرأ كيف عالج عمر المشكلة، بل كيف عاش المشكلة، حتى قال أسلم: (إنه لو لم يكشف الله القحط لمات عمر همّاً بأمر المسلمين). أقرأ في صفحات التاريخ كيف أقسم عمر ألا يذوق لحماً حتى يغاث الناس، وبقي يأكل الخبز والزيت حتى اسودّ جلده. أقرأ كيف كان عمر يغفو إغفاءة المتعب المكدود، ثم ما يلبث أن يصحو فزعاً يقول: ماذا فعل الناس؟

أسبح في أطياف التاريخ، أعيش في تلك البلاد التي وحّدها الإسلام، ولكن موج الخيال يلقيني على شاطئ الواقع، الواقع المر الحزين. أنظر فإذا عام الرمادة يتكرر اليوم في أفريقيا. صور بشرية كالأشباح، قد أحرقت الشمس جلودهم العارية، وأكلت السنون العجاف التي تمر بهم لحومهم ودقّت عظامهم. جلود قد ركّبت على هياكل عظمية، لا تحس فيها حراكاً فقد فقدت نضارة الحياة. تغالب الموت فلا تظفر من الحياة إلا بالجوع والموت. أسمع في نحيب النساء وذهول الرجال وصراخ الأطفال: يا غوثاه يا غوثاه يا غوثاه.

أسمع ذلك ولا أسمع رد عمرو أن لبّثوا فقد أتاكم الغوث. لا أرى بين الجياع عمر ينادي غلامه: يا يرفأ! زد هؤلاء مرقاً، زد هؤلاء لحماً، زد هؤلاء خبزاً. لا أرى بين القدور عمر يسوّطها بيده ويخلط ما فيها.

لا أرى صور الرحمة، فالرحمة قد انتزعت من القلوب، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

(نشرت في مجلة الإصلاح (نشرة الراصد سابقا) – العدد 34 – أكتوبر 1992)

شارك بتعليقك

*