التربية النبوية

(نشرت في مجلة الإصلاح (نشرة الراصد سابقا) – العدد 27 – يناير 1992م)

تقرأ سيرة أحد التابعين فترى فيه طوداً شامخاً على أرض البشر. ثم تقرأ سيرة أحد الصحابة –رضوان الله عليهم أجمعين- فلا تزداد إلا عجباً من تلك الأخلاق والنفوس، ومن تلك الشجاعة، ومن ذلك الإيمان العميق. فإذا تصفحت سيرة عمر بن الخطاب مثلاً، ازددت إعجاباً وإكباراً لذلك الرعيل الأول من صحابة محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا بك تنسى سيرة ذلك التابعي أمام ما ترى من عظمة وشموخ.

وقد تقرأ سيرة أبي بكر الصديق بعد ذلك فترى بين عمر وبينه بوناً شاسعاً.. ربما يكون ذلك الذي انتبه إليه الفاروق حين قال: “ما لي أسمع أناساً يفضلونني على أبي بكر، والله لليلة من أبي بكر خير من عمر وآل عمر”.

أعيش في أفياء هذه السيرة العطرة، فأرى مقدار ما وصلت إليه الإنسانية من انحدار ورجعية في زماننا هذا. أقرأ سيرهم وأتساءل.. كيف وصلوا إلى هذه الذروة السامقة؟ وتطل علي من خلف هذه الشخصيات شخصية المربي الأول رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذلك المربي الذي صنع أصحابه على عين الله، فحول رعاة الغنم إلى سادة للأمم، حول أناساً كانوا يقتلون أنفسهم وغيرهم على اللقمة والشربة، حولهم إلى كرام لا تستهويهم الدنيا ولذاتها.. أسمعتم يا أصحابي بذلك الشاب الذي استزله الشيطان فوقع في الزنا؟ وتحرك الضمير الملائكي في نفسه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليطهره، ويحاول رسول الله إنقاذه، ويصر هو على الاعتراف، وكأني به في نفسه مثل قول القائل: مولاي.. حسبي خساراً أن أكون مفرّطاً في دينك، ويظن الناس أني عابد.

من كان منكم يظن أنها جذوة إيمان طارئة في نفس هذا الشاب الجليل، فدعوني أذكره بتلك المرأة التي زنت وحملت من الزنا، جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: “اذهبي حتى تضعيه”، وتبقى شهوراً تحترق ألماً، فقد يفاجئها الموت قبل أن يطهرها الحد.. وتأتي بالطفل بين يديها فيقول عليه الصلاة والسلام: “اذهبي حتى تفطميه”، وتبقى عامين، لا تخبو في نفسها جذوة الإيمان وعذاب الضمير، لم يمته مرور الشهور والأعوام، وتأتي فيقام عليها الحد.

هذه هي نتيجة التربية النبوية.

 

تعليق واحد على “التربية النبوية”

  1. أبو محمد أضاف بتاريخ

    صلى الله عليه وسلم

شارك بتعليقك

*