ف و ض

(نشر في صحيفة النبأ الأسبوعية البحرينية – العدد 14 – 17/9/2008)

يقال -والعهدة على الراوي- أن الساسة الصهاينة لم يعجبوا بكتاب عربي إعجابهم بـ(لسان العرب) لابن منظور. ويؤكد الراوي أن أحداً من هؤلاء لم يفتح هذا الكتاب قط، لأنهم -لسبب ما- يعتقدون أنه كتاب سبق عصره في البرمجة اللغوية العصبية (NLP)، وأن له تأثيراً على أعصاب من يقرؤه، وأنه يمتص قوة قارئه كلها، ويركزها في لسانه، وأنهم لذلك أصبحوا يهدون نسخة من الكتاب لكل من يقابلونه من الساسة العرب.

ولأن الصهاينة تعودوا على ألا يعطوا الفلسطينيين إلا الفتات، فإنهم لم يهدوا فريق السلام الفلسطيني إلا بضع صفحات استلّوها من الكتاب.

وزعم الراوي أن الذي وقع بين أيدي الفريق الفلسطيني من (لسان العرب) كان مادة (فوض)، وأن هذا -في زعمه- يفسر كل المواقف التي اتخذها ويتخذها هذا الفريق.

ويستدل الراوي على ذلك بأن هؤلاء أخذوا عن ابن منظور أن (المفاوضة): هي الشَّرِكةُ العامّةُ فـي كل شيء. ولذلك تراهم في (مفاوضاتهم) يتعاملون مع القضية الفلسطينية وكأنها شركة عامة ورثوها عن أجدادهم، فترى همّ الواحد منهم أن تزيد أمواله وأملاكه بأية طريقة، ولو كان معنى ذلك التنازل عن الثوابت وبيع الضمائر. ولذلك -مثلاً- لا يجد الواحد من هؤلاء غضاضة في أن يدعو إلى هدم الأنفاق التي تستخدم لتهريب الحليب والطعام للأطفال الجوعى في غزة، بينما لا يستحيي هو من تهريب مئات الهواتف النقالة ليبيعها لحسابه في الضفة.

ويضيف الراوي أن هؤلاء فهموا من قول ابن منظور (فاوضه) في أمره: أي جاراه، أن المجاراة هنا تعني أن تجاري خصمك في كل ما يطلبه منك، فتذعن له وتنقاد إليه. لا أن تكون وإياه على قدم المساواة، فتجاريه في مطالبه وتساويه، وتأخذ منه مثل ما تعطيه.

ويرى الراوي أن فريق (المفاوضات) قرأ ما قاله ابن منظور من أن (فوّض) إليه الأمر: تعني صيّره وردّه إليه وجعله الحاكم فيه. فصار ذلك عذرهم في التصرف في حقوق الناس، والتخلي عن المقدسات، وعدوا أنفسهم في منزلة الإله الذي لا يُسأل عما يفعل، وهم يُسألون.

يقول الراوي: وبذلك لم يعد هؤلاء القوم يفرقون بين (المفاوضات) و(التفاوض) و(التفويض) و(الفوضى)، وهي -أي الفوضى- عند ابن منظور تعني التفرق والاختلاط، فيقول: وقوم (فوضى): أي مختلطون، وقيل: هم الذين لا أمير لهم ولا من يجمعهم. وهو الأمر الذي ما فتئ هؤلاء يحاولون إشاعته منذ فاز خصومهم بثقة الشعب، وهو -أيضاً- ما ينتظر أن يؤول إليه الوضع مطلع العام القادم، حين تنتهي مدة الولاية الدستورية للرئيس.

قال الراوي: غير أن ما يدمي القلب ويدمع العين هو أن هؤلاء نظروا فإذا ابن منظور يقول أن (التفويض) في النكاح: هو التزويج بلا مهر؛ فلذلك تراهم لا يترددون في تسليم فلسطين للصهاينة دون مقابل، بعد أن كان مهرها أرواح الشهداء، وخضابها أنهار الدماء.

شارك بتعليقك

*