في وداع الضيف

جلس الأطفال في زاوية الغرفة، كانوا يشعرون بغير قليل من الحزن، كانوا يراقبون أختهم الصغيرة وهي تتعلق بأذيال الضيف. إنها لا تزال أصغر من أن تستطيع الكلام، لكنهم كانوا يفهمون تماماً ما تريد.

كان الواحد منهم يود لو قام من مكانه ليعاونها عليه، لكنهم كانوا يعرفون أن جميع هذه المحاولات لن تغير من الواقع شيئاً، كانوا في السنوات الماضية يفعلون مثل ما تفعل، بل وبكوا في أحيان كثيرة. كان ضيفهم يقابل دموعهم بكثير من الحب، وربما تحنّن عليهم أحياناً فبقي ليلة أخرى، لكنه كان يرحل دائماً.

في زاوية الغرفة، همست الصغرى: لا فائدة من البكاء، سيرحل كما يفعل كل عام. إنه لا يستطيع الانتظار. سمعت الأطفال يقولون إن عليه أن يرحل ليزور بلاداً أخرى.

قاطعها شقيقها الأكبر: إنكم لا تفهمون، إنه ليس كالشمس، تغرب عن بلادنا لتشرق على بلاد أخرى، إنه يزور الدنيا بأجمعها دفعة واحدة.

قال لي والدي ذات مرة: ضيفنا هذا يا ولدي ليس ككل الضيوف، إنه يأتي من السماء. إنه هدية السماء إلى الأرض.

عندما كنا صغاراً، كنا نخرج مع آبائنا إلى أطراف البلد، هناك على ساحل البحر، نترقب وصوله، فربما هتف أحدهم، الله أكبر! إنه هناك. لقد رأيته. وما رآه، وإنما رأى خيطاً من النور عند الأفق البعيد، يبشر الناس بقدومه. وربما تأخر عنهم فلم يظهر، فيعودون مكتئبين. لقد تأخر الضيف في الوصول.
عندها كنت أرى أبي يغالب دموعه ويقول: ومن يضمن لي أن أبقى حتى أراه؟

وعندما يصل –يقول أبي- يتغير حال الناس، كل يريد أن يظهر له صلاحه وتقواه، فمن كان لا يعرف باب الجامع، تراه يحرص على الصلاة مع الجماعة، ومن كان لا يفتح المصحف، يسابق الأيام ليختم القرآن. ومن كان بينه وبين أحد من جيرانه قطيعة، سارع لإصلاح ذات البين. وهكذا، ولا عجب! فبعد حين سيعود الضيف إلى السماء، ليشهد أمام الله، لهم أو عليهم.

كنت أرى والدي يعطي في كل يوم مالاً إلى جارنا الفقير، ويقول لي: هذا عن جدك. إنه لا يستطيع القيام بواجب الضيف، فهو يكفر عن تقصيره بالصدقة والإنفاق.

وعندما يقترب رحيله، كان كل من في البلد يتصدقون بأموالهم على الفقراء والمحتاجين، إنهم يخشون أن يكونوا قد قصروا في حقه، فيعتذرون إليه، ويستغفرون الله من تقصيرهم في إكرامه والقيام بواجبه.

قال أكبر الأطفال: وعندما يرحل، نكون نحن الصغار أكثر الناس حزناً، لذلك ترون الكبار يخففون عنا بالهدايا والعطايا،

ويسمون ذلك عيداً.

شارك بتعليقك

*