الهجوم خير وسائل الدفاع

(نشرت في مجلة الإصلاح – العدد 156 – أغسطس 2008م)

كثيرة هي حملات التشويه التي يتعرض لها الإسلام ورسوله وكتابه ودعوته، إذ ما تلبث أن تهدأ حملة، حتى تبدأ أخرى، كلها تحاول أن تلصق بالإسلام وأهله كل تهمة، وتنفي عنه وعنهم كل خير.

ومع تكرار حملات التشويه التي يتعرض لها الإسلام ينشغل المسلمون -علماء وعامة- باستنكار هذه الهجمات حيناً، وبمحاولة تبرئة ساحة الإسلام من التهم الموجهة إليه. وهذا جهد محمود ومطلوب، غير أنه لا ينبغي أن يستنفد طاقات الأمة، وينقلها إلى مربع الدفاع، إذ القاعدة تقول: إن البينة على من ادعى. فأين بينة المدعين على الإسلام، الذين يحاولون لصق تهمة الإرهاب والدموية والوحشية به وبرسوله وكتابه؟

ويؤثر بعض المسلمين -علماء وعامة- السلامة، فتراهم كلما انتقد أعداء الإسلام أمراً في دين الله، سارع هؤلاء إلى تفسيره تفسيراً يجعله -حسب ظنهم- أقرب إلى قبول أعدائه له، ولو أدى ذلك إلى تغيير معنى النصوص، وتأويلها بما لا تحتمل، وطمس معالمها بشكل كامل.

لقد أصبح كثير من المسلمين، تحت وطأة الهجمات الشرسة التي يتعرض لها الإسلام، يخجل من قول كلمة الحق، ويتمنى في قرارة نفسه لو كانت بعض أحكام الدين أكثر قبولاً عند الناس. تجد ذلك في كثير من مجالات التشريع، كأحكام المرأة، والجهاد، والأسرة، والحدود، والعلاقة مع غير المسلمين.

ولا شك أن أمة هذه شأنها، لن تستطيع أبداً أن تكسب أرضاً، أو تفوز في جولة، إذ إن أقصى ما تستطيع فعله هو الدفاع عن نفسها، محاولة ألا تخسر، وألا تتراجع، وهيهات!

لقد فقد المسلمون الكثير من هيبتهم، واحترام الآخرين لهم، بل وفقدوا حتى احترامهم لأنفسهم، يوم صاروا يبدلون في كل يوم ثيابهم، جرياً وراء ما يرضي أعداءهم عنهم، ولو كان في ذلك سخط ربهم، ومعلوم أن من أسخط الله في رضا الناس، سخط الله عليه، وأسخط الناس عليه. فصاروا كلما تراجعوا عن مبدأ زاد أعداؤهم بغضاً واحتقاراً  لهم. وصاروا كلما تنازلوا عن ثابت من ثوابتهم، أمرهم أعداؤهم بالمزيد.

منذ سنين، كتب الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى كتاباً قيّماً سماه (التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام)، كتبه ردا على شبهات ومفتريات أطلقها مؤلف نصراني رمى الإسلام بكل نقيصة، ولصق به كل تهمة! فتصدى له الشيخ رحمه الله، لا بأسلوب المدافع الذي يحذر الهزيمة، وإنما بعزة المسلم الموقن بخيرية هذا الدين العظيم، المتسلح بكلمة الله، وكلمة الله هي العليا. فسطّر كتابه في أكثر من ثلاثمائة صفحة، ملأها بالحقائق والشواهد لا على براءة الإسلام فحسب، بل على جرائم الكنيسة المسيحية عبر التاريخ القديم والحديث، حين هي ارتكبت -باسم المسيح عليه السلام- حملات تطهير ديني منظم، استهدفت كل مخالف لها في الدين أو المذهب.

إن منهجية الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى في الذود عن الإسلام والدعوة في مواجهة المتربصين بهما في الداخل والخارج، منهجية جديرة بالانتباه. إنها منهجية تجمع بين الدليل العلمي والتاريخي الذي لا يقبل الشك، وبين الأسلوب القوي اللاذع، الذي لا يعرف المهادنة ولا المراوغة، بل يرفع الحجر تلو الحجر، ليلقم بها أفواه الناعقين، ويخرس بها ألسنة الكاذبين.

لقد أدمنت الأمة التراجع والمهادنة في دين الله، حتى لم تعد تذكر معنى للهجوم، فلا هي سلم لها دينها، ولا هي استطاعت أن تكسب احترام الآخرين.

إن للأمة الإسلامية ديناً لا يملك من يؤمن به بحق إلا أن يمشي مرفوع الرأس، شامخ الأنف. وجدير بأمة هذا شأنها أن ترفع صوتها في وجه كل أفاك لتقول له أن على من تلطخت أيديهم بالدماء عبر التاريخ، أن يفكروا ملياً قبل أن يرموا بجريرتهم الأبرياء.

“ولا تهنوا، ولا تحزنوا، وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين”.

 

شارك بتعليقك

*