مفاتيح السماء

مفاتيح السماء – قصة قصيرة
كتبت في مايو 2007م

الحلقة الأولى

(1)
وسط المجهول

يا لي من غبي!
هكذا قال عبدالجواد في نفسه وهو يغلق باب سيارة الأجرة، ويجول بنظره في المكان الذي أوصله إليه السائق.
سرت في جسده قشعريرة وهو يمد يده بالمائتي ريال إلى السائق عبر النافذة، لم تطاوعه نفسه أن يترك هذا المبلغ الكبير.
سأل السائق بصوت يقطر منه القلق: هل هذه هي…
لم يمهله السائق ليكمل سؤاله، قال بصوت غليظ وهو ينتزع المال من يد عبدالجواد انتزاعاً: نعم، هذه هي (خشم الضب)، ستجد القرية خلف هذا الكثيب الرملي. لن أستطيع أن أتقدم بك أبعد من هذا، فالرمال لن تسمح للسيارة بالحركة.
قال بحسرة: شكرا!
تحرك بصعوبة ناحية الصندوق الخلفي للسيارة، كان يشعر بغير قليل من الألم في أضلاعه، وبشيء من التصلب في عضلات ساقيه. فقد أمضى في السيارة منذ خروجه من المدينة أكثر من ثلاث ساعات دون حركة، وأمضت السيارة آخر ساعتين منها على طريق غير معبدة، كان عبدالجواد خلالها يرتطم بباب السيارة وسقفها مع كل ارتفاع أو هبوط.
غير أن شعوره بالخوف كان يطغى على آلام جسمه. كانت الوساوس تتناوشه من كل جانب وهو يمد يده ليأخذ حقيبتيه من صندوق السيارة. ماذا لو تركني هذا السائق في هذه الصحراء المنقطعة وانطلق بالمائتي ريال؟ ماذا لو لم أجد القرية خلف هذا الكثيب؟ ماذا لو مت من العطش قبل أن أصل إلى (خشم الضب)؟ ماذا لو لم تكن هناك قرية هنا أصلاً؟
– أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. الله يخزيك يا شيطان يا لعين.
وضع الحقيبتين على الرمل، وأغلق غطاء الصندوق، وفي لحظات كانت سيارة الأجرة تنطلق بعيداً مخلفة وراءها سحابة من الغبار جعلت عبدالجواد يسعل بشدة، وزادته قلقاً وضيقاً.
وقف لحظة ينظر إلى السيارة المبتعدة، وكأنه ينظر إلى خيط أمل يتلاشى رويدا رويدا كما يتلاشى ضوء النهار في ظلمة الليل، حتى اختفت تماماً في منعطف الطريق.
أفاق عبدالجواد من هواجسه، وحمل حقيبتيه، ويمم وجهه صوب الكثيب المرتفع، ونفسُه تكاد تخرج مع نفَسِه خوفاً من القادم المجهول.

(يتبع…)

الحلقة الثانية

(2)
خشم الضب

تنفس عبدالجواد الصعداء، إذ ما إن وصل إلى أعلى الكثيب حتى بدت له بيوت القرية في الأسفل.
ولم ينتبه إلى شكل القرية، ولا إلى حال بيوتها الطافية على بحر الرمال كأشرعة مركب متهالك، قد مزقتها الرياح من كل جانب.
لقد ولد مشهد القرية في نفس عبدالجواد قوة لم يعرف مصدرها، أنسته مخاوفه وآلامه، فانطلق يتهادى أسفل الكثيب، وقد ملأت وجهه ابتسامة عريضة، كطفل تاه عن بيت أهله، ثم وجده أمامه.
لم يشعر عبدالجواد أنه أصبح وسط بيوت القرية القديمة، فقدماه لازالتا تغوصان في بحر الرمال الناعمة الذي تملأ أمواجه الأزقة وتصل إلى خاصرة بعض المنازل حتى تكاد تغلق أبوابها وتدخل من نوافذها. لكن صوت نباح كلاب يأتي من بعيد أعاد عبدالجواد إلى واقعه، فوقف وسط الطريق، وأنزل حقيبتيه، وأخذ يتلفت حوله. كان صوت السكون يطغى على كل شيء، لا يقطعه إلا نباح الكلاب البعيدة، وصوت نافذة مفتوحة في بيت قريب تصفقها الريح فتبعث في المكان شيئاً من الوحشة والخوف.
تمتم عبدالجواد مخاطبا نفسه:
– لا إله إلا الله، أهذه (خشم الضب)؟ أيعيش أحد هنا؟ أم أنهم رحلوا من زمن؟
لا بد أنهم رحلوا، لا بد، فمن الذي يستطيع العيش هنا؟ لا بد أنهم رحلوا. نعم! رحلوا.
يا ضيعتك يا عبدالجواد، لهفي عليك يا أم عبدالجواد، لا زلت أذكر وصيتك عندما ركبت العبّارة: خذ بالك من نفسك يا ولدي! البحر لا يرحم. لهفي عليك يا أم عبدالجواد، ها هو ابنك يغرق، لكن في بحر الرمال.

– السلام عليكم

سمع عبدالجواد صوت قلبه يسقط في بطنه. ولم يدر حينها لماذا حمد الله، لكنه أحس بحكمة الخالق العظيم الذي خلق قفصاً يحيط بقلبه. ولولاه لقفز قلبه من صدره.

التفت، كان الرجل يقف خلفه مباشرة، يمسك خطام ناقته بيده اليسرى، أما يده اليمنى فتمسك ببندقية قديمة قدم القرية ومنازلها، كان يلف رأسه بقطعة من القماش، لم يستطع عبدالجواد أن يتبين لونها، فقد تغير لونها مرات، حتى غدا بلون الرمال، تبرز من تحتها ذؤابتان قد غطتهما الرمال تتدليان على كتفيه.

لم يترك الرجل له مجالا ليسترسل في أفكاره، ويتمادى في نظراته، سأله:
– أنت عبدالجواد؟
– نـ.. نـ.. نعم، نـعم، أنا عبدالجواد، وحضرتك؟
– أنا مجهم، أنتظرك منذ ثلاثة أيام، أحضر إلى هنا في الصباح ولا أنصرف إلا مع الغروب.
يا مرحبا بك في (خشم الضب)! تعال معي لأدلك على بيتك.

ولم ينتظر إجابة من عبدالجواد، بل أخذ بخطام ناقته يجرها خلفه، وعبدالجواد يحمل حقيبتيه، يحاول جاهداً أن يلحق به، ونفسه تتردد بين القلق والراحة، القلق من المجهول، والارتياح أن مصيره على الأقل لن يكون الغرق في بحر الرمال.

(يتبع…)

الحلقة الثالثة

(3)
القرية المهجورة

وقف عبدالجواد عند باب المنزل، كانت عيناه تتحركان يمنة ويسرة، تتابعان (مجهم) يتنقل بين فناء الدار وإحدى الغرف، ينقل منها حلة ماء كبيرة وأمتعة أخرى ويضعها في الفناء. أشار بسبابته إلى أحد الأبواب:
– يمكنك أن تصنع طعامك هنا، يوجد في الداخل موقد وتنور.
وأشار إلى باب آخر:
– وهنا تستطيع النوم.

كان (مجهم) منطلقا في حديثه. لم يكن يهمه أن يسمع من عبدالجواد جواباً، إذ يبدو أن هذا ليس من شأنه:
– الله يطول عمر الشيخ مزعل.
اقتنص عبدالجواد الفرصة حين رأى مجهم يغترف بعض الماء من الحلة ليشرب.
– من الشيخ مزعل؟
مسح مجهم فمه بكم ثوبه وقال بنبرة يملؤها الفخر:
– الشيخ مزعل الله يطول عمره شيخ شيوخ قبائل خشم الضب. سمع أن شباب المدينة يتعلمون الحساب والقراءة والخط، فأبى إلا أن يتعلم شباب قبائل خشم الضب مثلهم. فذهب إلى الأمير الله يحفظه في المدينة وطلب منه أن يرسل لنا معلماً يعلم الشباب، وها أنت هنا. الله يحفظ لنا الأمير! رجّال! قول وفعل.
كان عبدالجواد يود لو قال: الله يأخذك يا شيخ مزعل على هذه الفكرة التي لم تقع إلا على أم رأسي أنا.
تعوذ من الشيطان في سره، ثم قال:
– الله يطول عمره، لكن ألم يكن من الأسهل على الشباب أن يذهبوا إلى المدينة ليتعلموا؟
انتفض مجهم كمن لدغته أفعى وقال بنبرة غاضبة:
– أعوذ بالله، شباب خشم الضب؟ يذهبون إلى المدينة؟ أعوذ بالله، لماذا؟ لكي يتعلموا الحساب والقراءة، وينسون الرجولة؟ أعوذ بالله، لا والله، الشيخ مزعل الله يطول عمره ما يسويها.
لم يعلق عبدالجواد. كان يتمنى أن تهدأ ثورة الرجل. مضت لحظات، استجمع فيها عبدالجواد شجاعته من جديد وقال:
– لكن أين هم الشباب؟ إنني لم أر أيا منهم في طريقنا.
أجاب مجهم فوراً، وكأنه كان يتوقع مثل هذا السؤال:
– القبائل ما عادت تعيش هنا، لقد تفرقت في البرية بحثاً عن الماء والكلأ. أقرب قبيلة تبعد عن القرية ليلتين مشيا على الأقدام.
– ماذا؟ وهل سأسير إليهم كل يوم لأعلمهم القراءة والحساب؟
– لا! لا! بل هم سيأتون إليك هنا من كل القبائل. مرتين في الأسبوع. وستقوم بتدريسهم في مسجد القرية. هكذا أمر الشيخ مزعل الله يطول عمره.
– الله يطول عمره.
أجابه عبدالجواد بلهجة امتزج فيها الغضب بالسخرية.
– يجب أن أنطلق الآن قبل الظلام، كي أخبر الشيخ مزعل ورجال القبائل بوصولك.
– لكن متـ..
– السلام عليكم.
قالها مجهم وقفز على ظهر ناقته الباركة، ثم أصدر طقطقة من فمه، كأنه يكلمها، فهبت من مبركها وانطلقت.
– وعليكم السلام.
تمتم بها عبدالجواد دون شعور، كان كمحموم تدور به الدار، لا يدري ماذا يفعل ولا ماذا يقول.
انتبه فجأة، وصرخ:
– يا مجهم!
التفت إليه مجهم دون أن يتوقف، ولم يكلف نفسه حتى عناء الإجابة.
– أين جهة الصلاة يا مجهم؟
أشار مجهم بذراعه إلى اليسار، وواصل طريقه مبتعداً.

(يتبع…)

الحلقة الرابعة

(4)
آلام وآمال

أنهى عبدالجواد صلاته، ثم استلقى على فراشه. كان مصباح الزيت يضيء جوانب الغرفة. لا شك أن مجهم قد بذل جهداً كبيراً في تنظيف الغرفة وإعدادها له. لكن الحصير المفروش على الأرض يشي بأن عشرة من أمثال مجهم لا يستطيعون تنظيفه، فقد أثرت فيه يد الزمن، حتى إنك لا تدري إن كانت البقعة تلك حفنة من الطين قد يبست على الحصير، أم أنه خرق في الحصير يظهر ما تحته من الطين.
هكذا فكر عبدالجواد. ابتسم ابتسامة حزينة وأرسل زفرة طويلة حاول بها أن يخرج كل ألمه وحسرته. تمتم قائلاً:
– إيه يا أستاذ عبدالجواد، هذه نهاية الأحلام الوردية، هذه نهاية الطموح، الله يلعن الفقر، الله يلعن الحاجة. أنظر أين وصلت يا عبدالجواد، إلى خشم الضب، مكان ما ضيع إبليس ولده. هذه نهاية الطموح يا أستاذ، وحيد في الصحراء، لو مت اليوم فلن يعلم بك أحد، ولن يصلي عليك أحد، إلا بعد ثلاثة أيام.
ترقرقت عيناه بالدموع وهو يتذكر أم عبدالجواد هناك في بلدته، لقد حاولت جاهدة أن تمنعه من الرحيل، لكنه أبى. قبلها على رأسها يوم رحل عن البلدة وقال لها:
– لا تخافي علي يا أم عبدالجواد! لقد أنجبت رجلاً! أعدك أنني لن أعود إليك إلا بالخير إن شاء الله، على الأقل سأتمكن من تأمين مصاريف علاجك! لا، بل ستعيشين بعدها عيشة الأميرات يا أم عبدالجواد.
انحدرت على جانب عينه دمعة لم يبق لها مكان، وتواصلت سياط ذكرياته تجلد عقله، فتزيده ألما على ألمه:
– غبي أنت يا عبدالجواد، ماذا تساوي أموال الدنيا عندما تعيش وحيداً، ماذا ستستفيد أمك من أموالك إذا مت في الصحراء، أو ماتت هي قبل أن تعود إليها بالكنوز؟ غبي أنت يا أستاذ.
حاول أن يهدئ من نفسه، وأن يذكرها بأسباب قراره:
– وماذا كان يمكنني أن أفعل؟ لعن الله الفقر، لعن الله الحاجة. ثم أي غبي هذا الذي يرفض النقل من مدرسته مقابل عشرة أضعاف راتبه؟ من يستطيع أن يرفض الانتقال إلى خشم الضب مقابل هذا المبلغ الكبير؟ ومقابل أن يدرّس يومين في الأسبوع فقط لا غير. والله إن أي عاقل لن يتردد في العيش في جحر الضب، لا في خشم الضب فقط، إن كانت المسألة تساوي عشرين ألف ريال.
وبدا أن عبدالجواد استطاع ولو للحظات أن يقنع ضميره أن ما فعله هو عين الصواب، فقد هدأت نفسه، وأسلمت له العنان، فاستسلم للنوم، بعد عناء يوم ليس ككل الأيام.

***

– الله يطول عمر الشيخ مزعل.
هكذا قال عبدالجواد موجهاً حديثه إلى فالح ولد الشيخ مزعل، وهو يتناول منه صرة ثقيلة من الطعام، هدية من الشيخ مزعل.
كان كلما نطق بهذه العبارة تذكر يومه الأول قبل أربعة شهور حين قالها بغضب وسخرية.
لقد تغير الحال كثيراً منذ ذلك الحين، إنه لا يذكر خلال الشهور الأربعة أنه احتاج أن يوقد النار في تنوره أو تحت قدره. كان الشيخ مزعل يبعث إليه بما يحتاجه من طعام وماء.
نعم، لقد تغير الحال كثيراً، كان شباب القبائل يأتونه مرتين في الأسبوع، فلما انتشر خبره بين القبائل، جعل الآباء يتنافسون في إرسال أبنائهم إليه، حتى أصبحت المدرسة التي كان يقيمها في مسجد القرية تفتح أبوابها كل يوم، فقد قسم عبدالجواد الشباب إلى ثلاثة أقسام، كل قسم يأتي إليه يومين في الأسبوع، وفي كل يوم، كان أحدهم يأتيه بهدية الشيخ مزعل. لقد زرع الشيخ مزعل محبته في قلب عبدالجواد بجوده وكرمه، بالرغم من أنه لم يقابله قط.
جلس عبدالجواد عند باب المسجد يشاهد الفتيان يتسابقون في فترة راحتهم. كان يحس بقدر غير قليل من السعادة. فبالرغم من الجهد الكبير الذي كان يبذله كل يوم، إلا أن وجودهم يومياً كان يخفف عنه كثيراً من آلام الوحدة والغربة.
ثم إن عبدالجواد كان معجباً بإصرارهم على التعلم، وتنافسهم فيه، هذا التنافس الذي وصل في بعض الأحيان إلى حد المشكلة. كان كثيرا ما يحدث نفسه قائلاً:
– آه لو كان هؤلاء يدرسون في المدينة، إذن لكانوا من أفضل التلاميذ.
ابتسم عبدالجواد وهو يرى اثنين من الفتيان يتصارعان ويتضاحكان.
بالأمس فقط كاد أحدهما يقتل الآخر بسبب مسألة في الحساب. كان عبدالجواد يشرح لهما عملية الطرح، فقال لأحدهما:
– افرض يا ذيب أن عندك عشرين ناقة، وافرض أن سحيّم أخذ منك تسع نوق، ماذا تكون النتيجة؟
ابتسم سحيّم ابتسامة خبيثة، ما إن لاحظها ذيب حتى هب واقفا وأخرج خنجره وصرخ:
– الدم إلى الركب يا أستاذ، هذه هي النتيجة.
وكأن هذه العبارة لم تعجب سحيّم فانتفض هو الآخر وأخرج خنجره وقال في تحد:
– نعم يا وجه البوم، دمك أنت سيكون إلى الركب.
وكادا أن يتشابكا لولا أن عبدالجواد سارع إلى الوقوف بينهما، ولم ينجح في تهدئتهما إلا بعد أن غير المسألة إلى أن تكون النوق له هو، وأن يعطي ذيب تسعاً منها طوعاً لا كرهاً.

انتبه عبدالجواد من أفكاره على صوت فالح ولد الشيخ مزعل يلقي عليه التحية ويستأذنه في الانصراف.
– مع السلامة يا أستاذ، على فكرة، نسيت أن أخبرك أن الشيخ مزعل الله يطول عمره يسلم عليك ويقول لك: أبشر بالخير.
فرح عبدالجواد بهذا الخبر، وضغط على يد فالح مصافحاً وهو يقول:
– الله يطول عمر الشيخ مزعل، سلم لي عليه.

(يتبع…)

الحلقة الخامسة

(5)
صرخة في الظلام

توقفت سيارة الأجرة عند الكثيب الرملي، وترجل منها اثنان، أما أصغرهما فتوجه إلى صندوق الأمتعة، وأما الآخر فتوجه ناحية السائق ومد إليه أجرته وقال بنبرة لا تخلو من القلق:
– هل هذه هي…
– نعم، هذه هي (خشم الضب)، ستجدان القرية خلف هذا الكثيب الرملي. لن تستطيع السيارة أن تتقدم بكما أبعد من هذا، فالرمال لن تسمح لها بالحركة.
نظر السائق إلى عبدالجواد مستغربا تدخّله. أما عبدالجواد فقد رسم على ثغره ابتسامة واثقة بينما كانت عيناه تركزان على عيني السائق. زمّ السائق شفتيه، ووضع المال في جيبه، وانطلق مبتعداً.
تقدم عبدالجواد إلى الرجلين ومد يده مصافحاً أكبرهما، وقال ضاحكاً:
– السلام عليكم، أنا عبدالجواد، ناظر مدرسة خشم الضب، ومعلمها، والفراش.
– وعليكم السلام ورحمة الله، تشرفت بلقائك، أنا الأستاذ مصطفى.
انتقل عبدالجواد إلى الشاب الآخر وصافحه مبتسماً
– أهلا بك يا أستاذ عبدالجواد، لقد سمعنا عنك الكثير، يشرفني العمل معك، أنا حامد.
– أهل بك يا ولدي يا حامد، أهلا بكما في خشم الضب، اسمحا لي أن أساعدكما في حمل الأمتعة.
– أستغفر الله، لا يا أستاذ عبدالجواد، أستغفر الله، هذا لا يجوز.

تحرك الثلاثة في اتجاه القرية، كانت الدنيا لا تسع عبدالجواد، لقد ولت أيام الوحدة، الله يطول عمرك يا شيخ مزعل، ويحفظ الأمير، والله لم يخطئ مجهم عندما قال إنه رجل، قول وفعل.

***

جلس الثلاثة إلى مائدة الغداء، كانت الابتسامة لا تفارق عبدالجواد.
– مصطفى: المعلمون في المدينة يعتبرونك بطلاً يا أستاذ عبدالجواد.
– عبدالجواد (ضاحكاً): بطل مرة واحدة؟
– مصطفى: نعم والله، يقولون إن الذي يستطيع مجرد الصمود في خشم الضب لثمانية أشهر، لا بد أن يكون بطلاً، فكيف إذا نجح في تعليم شبابها، ونيل ثقة شيوخها.
– عبدالجواد: هذا من فضل الله يا أستاذ مصطفى. إيـــــــــــــه، أين كنا وأين صرنا؟ الحمد لله على فضله وكرمه. لقد كثر الطلبة ولم أعد أستطيع تعليمهم وحدي، فطلبت من الشيخ مزعل أن يكلم الأمير ليبعث لنا معلمين يساعدانني في التعليم، ففعل الله يطول عمره، وها أنتما هنا. لكن قل لي يا أستاذ مصطفى، كيف قبلت هذه الوظيفة؟
– مصطفى: تريد الصراحة يا أستاذ عبدالجواد؟ الراتب لا يقاوم، قلت لنفسي أنني بدلا من أن أعيش في الغربة لعشر سنين، أستطيع أن أختصرها لسنتين أو ثلاث ثم أعود لأهلي وأولادي. ثم إن الذي شجعني على ذلك هو أنني سأعمل مع البطل عبدالجواد.
ضحك الثلاثة، ثم التفت عبدالجواد إلى حامد قائلاً:
– عبدالجواد: وأنت يا ولدي يا حامد، شاب مثلك، ما الذي جعلك تأتي إلى هذه الصحراء؟ الدنيا أمامك، كيف تركت أهلك وأصحابك وأتيت إلى هنا؟
ترقرقت عينا حامد بالدموع، فسارع إلى مسحهما بظهر كفه، وتصنع ابتسامة سرعان ما تلاشت وقال:
– حامد: لم يعد لي أهل يا أستاذ عبدالجواد، لقد توفي والدي منذ كنت طفلاً، وتوفيت والدتي قبل عامين، لم يبق لي في هذه الدنيا أحد، فقبلت هذه الوظيفة لأنها ستبعدني عن ذكرياتي الحزينة…
اصطبغ وجه حامد باللون الأحمر وقال بصوت خافت يبدو عليه الخجل:
– ولأنني أتمنى أن يساعدني الراتب على أن أتقدم لطلب يد ابنة عمي.
اغتنم عبدالجواد الفرصة وقال محاولا ملاطفة حامد وإبعاد الحزن عنه:
– عبدالجواد (يرفع صوته ضاحكاً): آها، قل ذلك أيها الماكر، مبروك مقدماً، سأكون أنا من يخطبها لك يا حامد إن شاء الله.
– حامد: هذا سيكون شرفاً لي يا أستاذ عبدالجواد، أنا والله لم أرها في حياتي، سامح الله عمي، كان دائماً يعتبر والدي عاراً عليه، لا لشيء إلا لأنه فقير معدم.
– عبدالجواد: وابنته؟ هل هي كذلك؟
– حامد: كانت أمي رحمها الله تقول عنها إن من يراها لا يصدق أنها بنت أبيها، جمال وخلق ودين.
– عبدالجواد: اظفر بها تربت يداك يا حامد، اظفر بها تربت يداك.
– حامد: صدقني يا أستاذ عبدالجواد، طوال حياتي لم أكن متديناً، لكنني الآن أقرأ في كتب الدين وأسابق الأيام لأكون أهلاً لها، وأرجو ألا يسبقني أحد إلى خطبتها، فأنا لم أتكلم مع أحد حول هذا الموضوع قبل اليوم.
– عبدالجواد: شد حيلك يا ولدي يا حامد، سيحقق الله مرادك إن شاء الله.
– حامد: إن شاء الله.

***

بعد الصلاة، أوى الثلاثة إلى فرشهم، قال مصطفى:
– هل سنبدأ العمل غداً يا أستاذ عبدالجواد؟
قال عبدالجواد:
– لا، لن يحضر الطلبة إلا بعد خمسة أيام على الأقل، لقد أخبرني فالح ولد الشيخ مزعل أن أهل القبائل جميعهم رحلوا ليحضروا احتفال قبائل خشم الضب بصلح قبيلتين منهما وانتهاء الثأر بينهما بسعي من الشيخ مزعل. وسيحتاجون إلى حوالي سبعة أيام لكي يعودوا إلى ديارهم. لقد دعاني الشيخ مزعل للسفر معهم، لكنني اعتذرت لأنني فضلت أن أكون حاضرا عند وصولكما.
رد مصطفى:
– بارك الله فيك يا أستاذ عبدالجواد، والله إن وجودك هنا سيخفف عنا الكثير من ثقل الغربة.
– عبدالجواد: الله يحفظكما، لنخلد الآن إلى النوم حتى نستطيع الاستيقاظ للصلاة. هل أطفئ المصباح يا حامد، أم أنك تريد أن تنهي قراءتك.
قال حامد وهو يضع ورقة بين صفحات كتاب الحديث علامة على موضع قراءته: لحظات فقط يا أستاذ عبدالجواد، سأطفئه بنفسي، تصبح على خير.

***
استيقظ عبدالجواد فزعاً على صوت صرخة قوية شقت صمت الظلام، كان يستطيع أن يسمع خفقات قلبه الفزع، أسرع يتحسس طريقه إلى مصباح الزيت، بينما صوت مصطفى يتناهى إليه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، خير اللهم اجعله خير.

(يتبع…)

الحلقة السادسة

(6)
سباق مع الموت

مضت لحظات كأنها الدهر، أضاء بعدها مصباح الزيت أركان الغرفة، كان مصطفى لا يزال كالمصدوم جالساً على فراشه يستعيذ من الشيطان، بينما كان حامد مستلقيا على جنبه الأيمن، كان يضغط على باطن قدمه اليمنى بكلتا يديه، وهو يتلوى من الألم.

أسرع عبدالجواد إليه ووضع يده على كتفه الأيسر وقال له في وجل:
– ما بك يا ابني يا حامد؟ لا بأس عليك إن شاء الله، ألف لا بأس عليك، قل لي ما بك؟
كان حامد يتصبب عرقاً، ويضغط على أسنانه بأسنانه، وقد تلون وجهه بلون الدم، كان جسمه ينتفض كعصفور أصابه البلل في يوم شاتٍ.
– لـ.. لا أدري يا أســ…تاذ، كأنـ…ني لدغت، أر..رجوك افعل شيئاً يا أستاذ عبدالجواد، آآآآآه ما أشد هذا الألم!
– لا بأس عليك يا بني، لا تخف، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم لطفك يا لطيف.

أفاق مصطفى من الصدمة، وصرخ وهو يقفز من مكانه:
– ها هي هناك.

كانت كبيرة سوداء كالليل، هناك في زاوية الغرفة، تحفر تحت حلة الماء، تحاول أن تنجو بفعلتها.
أسرع مصطفى إلى حديدة كانت قرب إبريق الشاي، وهوى بها على العقرب، ولم يتركها حتى جعلها قطعاً، ثم ألقى الحديدة من يده وأسرع إلى فراش حامد قائلاً:
– ستكون بخير إن شاء الله يا حامد، لا تخف.
أخذ عبدالجواد قطعة قماش وأخذ يلفها على ساق حامد، كانت حبات العرق تتصبب من جبينه، فيمسحها بظاهر يده، تبادل نظرة مع مصطفى، فهم كلاهما منها أنهما لا يعرفان ماذا يفعلان. لكن عبدالجواد أراد أن يبعث الاطمئنان في نفس حامد فقال له:
– اصبر يا حامد، هذه الخرقة ستمنع انتشار السم إن شاء الله، لا بأس عليك يا بني، تحمل قليلاً، سيكون كل شيء على ما يرام. اللهم لطفك يا رب!

مضت لحظات الليل ثقيلة بطيئة، لم يكن يبدو أن حال حامد قد بدأت في التحسن، لكن قوة ضغطه على رجله لم تعد كما كانت، كان واضحاً أن قواه بدأت تخور، وأن الخدر بدأ يسري إلى أنحاء جسمه.
قال يوجه حديثه إلى عبدالجواد:
– شكراً لك يا أستاذ عبدالجواد، لقد أحسست معك بحنان الأبوة الذي طالما تمنيت أن أشعر به، شكراً لك. أرجوك يا أستاذ عبدالجواد، إذا مت الليلة فادفني في القرية، أريد أن أبقى بقربك يا أستاذ عبدالجواد.
رفع عبدالجواد رأس حامد ووضعها على فخذه، كان يحس بالحمى تلتهب في جسم حامد، وقال محاولاً إخفاء قلقه:
– اذكر الله يا ابني يا حامد، لا تقل هذا، استغفر الله، ستكون بخير إن شاء الله، كن قوياً، أنت لم تصل إلى هنا إلا بالأمس، أتذكر؟ لقد وعدتك أن أذهب معك لأخطب لك ابنة عمك.
سالت دمعة من عين عبدالجواد، كان يشعر بالعجز، ولا يدري كيف يتصرف. سكت الجميع، ولم يبق إلا صوت حامد يتأوه من الألم ثم يدركه الإعياء فيسكت.
تحول حديث حامد إلى موضوع آخر:
– أريد أن تساعدني يا أستاذ عبدالجواد، أرجو أن تختار لي هدية جميلة آخذها إلى أمي عندما أعود لزيارتها.
أجاب مصطفى:
– لكنك قلت إن أمــــ….
أشار إليه عبدالجواد بشفتيه أن اسكت! فهم مصطفى أن حامداً بدأ يهذي، فلاذ بالصمت، بينما نظر إلى عبدالجواد بعينين تسبحان في الدموع، كأنه يطلب منه أن يفعل شيئاً.

وضع عبدالجواد رأس حامد برفق على الوسادة، ونهض واقفاً وقال:
– سأخرج إلى حدود القرية يا مصطفى، لعلني أصادف أحداً يستطيع مساعدتنا، اهتم بحامد ريثما أعود.
ثم التفت إلى حامد:
– شد حيلك يا حامد يا بني، لن أتأخر كثيراً، سأعود سريعاً بالفرج إن شاء الله.

***

وصل عبدالجواد إلى قمة الكثيب الرملي، كان النور قد بدأ يعم المكان، لم يصدق عينيه حين رآه أسفل الكثيب على الجانب الآخر، فأسرع بالنزول.

***
كان مجهم مستنداً إلى ناقته الباركة، وقد ربطها إلى حجر، ولف وجهه بغطاء رأسه فلم تعد تبدو منه إلا عيناه المغمضتان، وكانت يده تمسك ببندقيته المستلقية بين ساقيه.
– مجهم، يا مجهم!
– أستاذ عبدالجواد؟ ما الذي أخرجك من القرية في هذا الوقت.
– أسرع يا مجهم، إن حامداً على وشك الموت.
– حامد؟ من حامد؟
– حامد واحد من الأساتذة، لقد وصل إلى هنا بالأمس، لقد لدغته عقرب، أرجوك يا مجهم، أسرع، هل تستطيع أن تفعل شيئاً؟
أسرع مجهم فأخرج صرة من رحل ناقته، وانطلق راكضاً أعلى الكثيب في اتجاه القرية:
– هيا يا أستاذ عبدالجواد، أسرع، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أسرع عبدالجواد يركض خلف مجهم، وقد بدأ الأمل يشرق في نفسه من جديد.

(يتبع…)

الحلقة السابعة

(7)
القادم الراحل

كان مصطفى يجلس على الدكة عند باب المنزل، وقد غطى وجهه بكلتا يديه، كانت دموعه تسيل من بين أصابعه.
بادره عبدالجواد قائلاً:
– مصطفى، هذا مجهم، من رجال الشيخ مزعل، لقد جاء لمساعدة حامد.
رفع مصطفى رأسه، ونظر إلى عبدالجواد بعين دامعة، ثم أطرق ثانية إلى الأرض دون أن ينبس ببنت شفة.
اندفع عبدالجواد إلى داخل المنزل ومجهم خلفه.
كان حامد ينام بلا حراك، أسرع إليه مجهم ووضع أذنه على صدره.
– لا حول ولا قوة إلا بالله، الولد مات يا أستاذ عبدالجواد، الله يرحمه.
جثا عبدالجواد على ركبتيه قرب حامد، وأحاط وجهه بذراعيه، وقبّله وهو يبكي ويقول:
– سامحني يا حامد يا ابني، والله لم يكن بيدي ما أستطيع أن أفعله، لا حول ولا قوة إلا بالله، الله يرحمك يا حامد.
– الأعمار بيد الله يا أستاذ عبدالجواد، الله يرحمه، إذا جاك الموت فات الفوت.
أقبل مصطفى إلى داخل الغرفة، ووضع يده على كتف عبدالجواد مواسياً، فنهض إليه عبدالجواد واعتنقه، وانهمرت الدموع.

***

لم يبق في العيون ما يمكن أن يسيل، ولم يعد في وسع عبدالجواد ومصطفى أن يبكيا أكثر مما فعلا، فجلسا في صمت حول جسد حامد المسجى وسط الغرفة. قطع عبدالجواد الصمت وقال مخاطباً مجهم:
– يا مجهم، لقد أوصانا حامد أن ندفنه هنا، فهل تستطيع أن تؤذن رجال القبائل كي يحضروا ويشهدوا الصلاة عليه؟
– وأين أنت من القبائل يا أستاذ عبدالجواد؟ لقد تركتهم قبل أيام في طريق عودتهم، لقد أمرني الشيخ مزعل الله يطول عمره أن أسبقهم، لا أظنهم يصلون قبل ثلاثة أو أربعة أيام.
قال مصطفى:
– فلننتظرهم، لا يمكن أن ندفنه دون أن يصلي عليه جمع من الناس، هذا أقل ما نستطيع أن نفعله من أجل حامد.
قال عبدالجواد:
– لا يمكن أن نبقي حامد ثلاثة أيام أو أربعة، ثم إن إكرام الميت دفنه، لا مناص من الصلاة عليه ودفنه حالاً.
قال مجهم:
– صح لسانك يا أستاذ عبدالجواد، لم تقل إلا الصواب.

***

انتهى عبدالجواد ومصطفى من تجهيز حامد، ووقفا للصلاة عليه، كان مجهم يجلس في الطرف البعيد من الغرفة، ناداه عبدالجواد:
– هيا يا مجهم، تعال للصلاة معنا
– لكني يا أستاذ عبدالجواد لا أعرف الصلاة على الميت.
قال مصطفى مستغرباً:
– ماذا؟ ألم تصلّ في حياتك قط على ميت؟
– لا يا أستاذ، فأنا خدام الشيخ مزعل الله يطول عمره، ورسوله إلى رجال القبائل، لا أبقى في الديار إلا قليلاً.
– لا حول ولا قوة إلا بالله، أمرنا إلى الله، تعال يا مجهم، تعال اجلس لأعلمك الصلاة على الميت.

حاول مصطفى جاهداً أن يعلمه كيفية الدعاء للميت، لكن يبدو أن محاولاته لم تكن تجدي نفعاً:
– يا مجهم، انتبه معي، عندما تدعو للميت قل: اللهم اغفر له وارحمه واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا..
– والله يا أستاذ لا أدري ماذا تقول، كيف يمكنني أن أقول ما لا أفهم؟
– لا بأس يا مجهم، لا بأس، ادع بالمغفرة لحامد بالشكل الذي تريد.

كان عبدالجواد يستمع إلى الحوار بصمت، كان الألم يعتصر قلبه:
– لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم لا اعتراض على حكمتك، شاب في عمر الزهور، وفوق ذلك، لا نستطيع أن نجمع له أكثر من ثلاثة للصلاة عليه! واحد منهم لا يعرف كيفية الصلاة! رحمتك يا الله، اللهم عفوك ورضاك.

(يتبع…)

الحلقة الأخيرة

(8)
مفاتيح السماء

أفاق عبدالجواد من نومه، كان الظلام لا يزال يلف المكان، أحس بقشعريرة في جسده، لم يكن يدري ما السبب، لكن شعوراً كان يستولي عليه بأن حامداً موجود في الغرفة، وصوت بكاء خافت يصل إلى سمعه من وسط الغرفة.

كان مجهم قد غادر القرية عند الظهر بعد أن فرغوا من دفن حامد:
– مع السلامة يا أستاذ عبدالجواد، يجب أن أرجع إلى ناقتي وأنتظر وصول الشيخ مزعل الله يطول عمره.

أشعل عبدالجواد مصباح الزيت، كان فراش حامد لا يزال على حاله، كأنه ومصطفى لم تطاوعهما نفساهما أن يلفا فراش حامد، فقد غادرهما سريعاً، لربما لم يتقبلا بعد أن يرحل عنهما بهذه السرعة.

كان مصطفى ساجداً وسط الغرفة يبكي ويقول:
– اللهم لك الحمد على فضلك، اللهم لك الحمد على فضلك.

لم يشأ عبدالجواد أن يقطع عليه خلوته ومناجاته، كان ذهن عبدالجواد مشغولاً برؤيا رآها في المنام، أحس معها بشيء من الراحة بعد يوم لم ير فيه إلا الأحزان.

فرغ مصطفى من صلاته، ثم نهض من مكانه والتفت إلى عبدالجواد وقال بصوت متهدج قد أثر فيه طول البكاء:
– السلام عليكم يا أستاذ عبدالجواد، أظن وقت الفجر قد دخل، هيا إلى الصلاة.

كان مصطفى يقرأ في الصلاة بصوت لا يكاد يبين من شدة البكاء، ولم يكن عبدالجواد أقل بكاء منه.
انتهت الصلاة، فالتفت عبدالجواد إلى مصطفى قائلاً:
– اذكر الله يا مصطفى، حامد في كنف رب رؤوف رحيم يا مصطفى، اذكر الله يا رجل.
– أعلم والله يا أستاذ عبدالجواد، ربنا كريم، لقد رأيت حامداً في المنام يا أستاذ عبدالجواد، لقد رأيت حامداً في المنام.
أجابه عبدالجواد متعجباً:
– رأيت حامداً في المنام؟
قال مصطفى باكياً:
– نعم، رأيته في المنام مبتسماً وعليه حلة جميلة، صافحني وقال: جزاكما الله عني خيرا، أتعلمان أن الله قد أكرمني بدعاء البدوي؟
أجهش عبدالجواد بالبكاء وقال:
– لا إله إلا الله، اللهم لك الحمد، اللهم لك الحمد، لقد والله رأيته في منامي كما وصفته يا مصطفى، وقال لي مثل الذي قال لك.
تعانقا وجلسا يبكيان، ثم توقفا، نظر كل منهما في عين الآخر، نهضا معاً وقالا بصوت واحد:
– مجهم!
ثم انطلقا يركضان.

***

كان مجهم قد أحضر بعض الشوك للناقة الباركة وألقاه إليها وجلس ينظر إليها وهي تأكل.
ناداه عبدالجواد من بعيد وهو يركض منحدراً من أعلى الكثيب:
– مجهم، يا مجهم!
– أستاذ عبدالجواد، لا إله الا الله، ما الذي حصل، هل حصل مكروه؟

وصل مصطفى إليه أولاً، أمسكه من كتفيه وقال له:
– تعال يا مجهم، تعال! اجلس! اجلس! قل لي بالله عليك، ماذا دعوت في صلاتك؟ بالله عليك أخبرني يا رجل.

جلس مجهم مستغرباً، والتفت إلى عبدالجواد قائلاً:
– لا حول ولا قوة إلا بالله، ماذا حلّ بالأستاذ يا أستاذ عبدالجواد؟ هل أصابه شيء؟

لم يكن عبدالجواد أقل لهفة من مصطفى لسماع ما يقوله مجهم، فرد عليه:
– سألك الأستاذ سؤالاً يا مجهم، أجب عليه بالله عليك، هيا قل ما الذي دعوت به في الصلاة؟

قال مجهم، وعلامات الاستغراب لم تفارق وجهه:
– والله إنني لم أعقل مما قاله الأستاذ لي شيئاً وهو يعلمني الدعاء، فتوكلت على الله ودعوت بما جاء في خاطري.

قاطعه عبدالجواد:
– نعلم ذلك يا مجهم، نعلم ذلك، لكننا نريد أن نعرف ما الذي دعوت به.

قال مجهم:
– دعوت الله وقلت: يا رب، إن هذا الفتى قد نزل بنا ضيفاً، فلم نكرمه، وأنت تعلم يا رب أننا البدو أهل الجود والكرم، اللهم فأنت أكرم منا، بل أنت أكرم الأكرمين، أقسم عليك يا الله إلا أكرمته.

سكت مجهم، ونظر إلى الرجلين، كأنه يقول إن هذا كل شيء.
هب الرجلان إلى مجهم، وأكبا على وجهه ورأسه يقبلانه ويشكرانه ويبكيان، بينما دهشته تكبر وتزداد.

نظر مجهم إلى الرجلين وهما ينصرفان عائدين إلى القرية، كانت يده تتحسس وجهه، إنه لا يذكر منذ جاء إلى الدنيا أن أحداً قبّله أو شكره. كانت الدهشة قد عقدت لسانه، حتى إنه لم يسألهما عن سبب ما فعلاه.

***
في الطريق إلى القرية، كان عبدالجواد ومصطفى صامتين، كان عبدالجواد يحدث نفسه:
يا لحكمة الله، حقاً! إن أكرمكم عند الله أتقاكم.
إن للسماء أبواباً لا تفتح إلا للمتقين، هؤلاء وحدهم من يهبهم الله مفاتيح السماء.

***

وصل الرجلان إلى المنزل، ودخلا الغرفة، اتجه مصطفى إلى فراش حامد وأخذ يطويه وهو يقول، رحمك الله يا حامد، وجزاك خيراً يا مجهم.

وقعت عينا عبدالجواد على الكتاب الذي كان حامد يقرأ فيه ليلة لدغ، كان لا يزال في مكانه، أخذ الكتاب وفتحه على الصفحة التي توقف عندها حامد، وقعت عيناه على حديث وسط الصفحة، انهمرت دموعه وهو يقرأ:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رب أشعث أغبر، ذي طمرين، لو أقسم على الله لأبرّه”.

(النهاية)

13 تعليق على “مفاتيح السماء”

  1. ابو عبادة الوحوش أضاف بتاريخ

    رائعة يا ابو أحمد … والله كبير وأديب … الله يسامحك والله دمعت عيناي على حامد … اسأل الله لك التوفيق في اتحافنا بالمزيد … بالمناسبة شو اسم الناقه… ها ها ها

  2. admin أضاف بتاريخ

    تسلم يا أبا عبادة
    شرفتني زيارتك، وأرجو ألا تنقطع عنا

    أما بخصوص اسم الناقة، فوالله لم أكن موجودا عندما ولدتها أمها. 🙂

  3. حسن بوعسلي أضاف بتاريخ

    ابداع كالعادة،،

    كنا نتشوق للحلقات يوم كان عرضها في منتدى الجامعيين

    نرجو ان نرى جديدك خاصة في القصة القصيرة

  4. admin أضاف بتاريخ

    بوعلي،
    هناك قصة في الطريق إن شاء الله
    لكن للقلم أحيانا شروطه، وليته يطيع
    أهلا بك، ولا تحرمنا من زيارتك

  5. نور المحرق أضاف بتاريخ

    ماشاء الله عليك أخي الكريم…

    بالأمس قرأت ثلاثة أرباع القصة و قد أُعجٍبتُ بأسلوب الطرح و بطريقة تناسق الأفكار و السرد..

    لكن اليوم وبعد قراءتي للتتمّة .. أدركت بأنك مبدع و أن قلمك لا يخط إلا كل جميل ..

    بارك الله فيك و سدد خطاك …

  6. admin أضاف بتاريخ

    نور المحرق
    بارك الله فيك

    سعدت بهذه الزيارة وبالتعليق الكريم

    نسأل الله لنا ولكم السداد

    محمود

  7. انس ضمره أضاف بتاريخ

    بارك الله فيك وإلى المزيد من البداعات اخي

    فلقد ذهلنيتني طريقتك في سرد القصة وانا لا أزال في الحلقة الاولى

  8. انس ضمره أضاف بتاريخ

    ها قد انهيت قراءه القصة بعد ان عدت من المحاضره التي اخرجني منها الدكتور دون اي تساهل 🙁

    بس القصة راعة فعلاً .. وان شاء الله نرى المزيد من ابداعاتك اخي

    وتقبل مروري

  9. admin أضاف بتاريخ

    أخي أنس

    مرورك أسعدني، كما أسعدني أن القصة أعجبتك، وأعدك بالجديد إن شاء الله
    على شرط ألا تحرمنا زيارتك.

    وسامح الله الدكتور 🙂

  10. الملكة أضاف بتاريخ

    راااائعه

    أسلوباُ و مضموناُ

    دخلت معها جو

    تقبل مروري 🙂

  11. admin أضاف بتاريخ

    أختي الكريمة الملكة
    سعدت بزيارتك للمدونة والتعليق عليها
    تقبلي تحياتي

  12. hicham أضاف بتاريخ

    دخلت هذا الموقع أول مرة و قرأت هاته القصة بالصدفة وكانت من أحسن ما قرأت منذ زمن فكرة وأسلوبا…مع كل احتراماتي للكاتب العبقري

  13. رجفة قلم أضاف بتاريخ

    أهلا بك أخي Hicham وتشرفني زيارتك للموقع ويسعدني إطراؤك.
    أرجو ألا تحرمنا من هذه الإطلالة والتواصل الدائم

شارك بتعليقك

*