خيال المآتة – قصة قصيرة

(كتبت في يوليو 2007)

خيال المآتة

خيال المآتة

جلس إسماعيل يشاهد زوجته وهي تخيط كُمّ ثوبـــه، كان يشعر بشيء من الغضب والراحة يمتزجان داخله، تلمس بيده اليسرى قطعة القماش التي ربطها على ذراعه الأيمن، يبدو أن الدم لم يتوقف بعد، بدليل أن بقعة حمراء بدأت تظهر وتكبر وسط الضمادة المربوطة.

 قطعت زوجته الصمت. قالت وعيناها لم تفارقا الإبرة والخيط:

– هذه رابع مرة أخيط فيها كم ثوبك يا أبا صالح، كن أكثر حذراً في المرة القادمة، فلم يعد هناك مجال لخياطة أخرى. ولن نستطيع شراء ثوب جديد في كل مرة.

 نظر إليها، ثم حول نظرته إلى الحقل الواسع الممتد خارج النافذة، غمغم بصوت منخفض:

– لا تقلقي يا أم صالح، لا تقلقي، لن يتمزق الثوب بعد اليوم، نعم، لن يتمزق، فقد ذهب الملعون إلى غير رجعة.

– ذهب؟ أين ذهب؟ لا أظنه سيذهب إلى أي مكان يا أبا صالح، لقد ذهب أبوك إلى رحمة الله، وأظننا سنلحق به، وسيبقى هذا المأفون مكانه، لن يذهب إلى أي مكان يا أبا صالح مادام أعز عند السيد منا.

 لم يكن يتوقع أن تسمع كلامه. لم يجب. ارتسمت على وجهه ابتسامة خفية. كانت عيناه ترمقان الأفق، هناك وراء سنابل القمح، قال يخاطب نفسه:

– صدقت يا أم صالح، إنه أعز عند السيد مني، لكنه ذهب يا أم صالح، لم يعد منتصباً هناك عند خط الأفق، لقد قضيت عليه، لم أستطع الصبر أكثر مما فعلت، لقد قضيت عليه، وليفعل السيد ما يشاء.

 أغمض عينيه، وشبّك بين أصابعه، ووضع كفيه خلف رأسه، وأرجع ظهره إلى الوراء مستنداً على وسادة من الليف. كانت مشاعره تسحبه سحباً إلى أحداث مرت عليها أربعون سنة.

 كان الكوخ هو الكوخ، والحقل هو الحقل، لكنه يومها كان صغيراً لم يتجاوز السابعة، لم يكن يعقل كثيراً مما يجري حوله، أو -بمعنى أدق- لم يكن يجد تفسيراً لكثير مما يحدث.

 كان يرى كيف كان أبوه يشعر بالضيق كلما دق الباب رجال السيد وطلبوه لمقابلته، لم يجرؤ قط على السؤال عن سبب عودة أبيه شاحب الوجه، مجروح الفؤاد كلما رجع من لقاء السيد، بل إنه لا ينسى المرات التي عاد فيها أبوه والدماء تسيل من فمه وأنفه، كان يهرب من الحقيقة إلى حضن أبيه، فيضمه أبوه ثم يمسك رأسه بكلتا يديه، وينظر في عينيه ويقول:

– لا تخف يا إسماعيل، لا تخف يا بني، أبوك بخير، أبوك أقوى من عبيد السيد، وستكون أقوى من أبيك إن شاء الله يا إسماعيل.

 كان إسماعيل يومها يتصنع القوة، ويغالب الدموع، حتى إذا أحس أنها ستغلبه ضم أباه بقوة، ودفن وجهه في صدره كي يخفي دموعه. لم يكن أبوه يغضب منه قط إلا حين يراه يبكي، كان كثيرا ما يقول له:

– هل تبكي يا إسماعيل؟ الرجال لا يبكون يا إسماعيل، هل أنت رجل؟ ها! هل أنت رجل؟

فيهز إسماعيل رأسه مؤكداً..

– امسح دموعك إذن يا إسماعيل، الرجال لا يبكون يا إسماعيل، إياك أن يراك أبناء السيد باكياً.

 كان إسماعيل لا يكاد يصبر حتى يحين وقت النوم، فعند النوم، كان يشعر بالأمان وهو يتوسد ذراع أبيه، ويتمتع بدفء لم يكن يوفره له الكوخ المتهالك. لم يكن إسماعيل يدري لماذا يصبر أبوه على هذه الحال. لقد رحل عدد غير قليل من أترابه مع آبائهم عن القرية هرباً من جحيم السيد وعبيد السيد. لكن أباه ظل متمسكاً بالبقاء بشكل غريب. كان يخاطب إسماعيل كل ليلة قبل أن ينام:

– أوصيك يا إسماعيل يا ولدي بالأرض، أوصيك بالحقل، إنه أمانة في عنقك، إياك أن تهمل الأرض والحقل.

كان إسماعيل يرد حينها:

– حاضر يا والدي، لا تقلق يا أبي…

كان في قرارة نفسه يشعر بالحيرة، ما الذي يحبب أباه في هذه الأرض؟ هذه الأرض التي لا تأتيه إلا بالمشاكل، لا يتذكر إسماعيل أنها أتته يوماً بالخير، إن جادت بغلّتها كانت الغلّة من نصيب السيد وكلابه، وإن ضنّت بها، جرّت على أبيه غضب السيد.

مع كل هذا، كان أبوه يصحو كل يوم من نومه مع الفجر فيصلي فرضه، ثم ينطلق إلى الأرض نشيطاً سعيداً، كأن خيوطاً من الشوق تسحبه سحباً إلى الحقل.

أما إسماعيل فقد كانت الأرض لا تعني له إلا الخوف والظلم. كان شديد الحب لأبيه، لكنه لا يزال يذكر كيف كان يكره صوت أبيه عندما يناديه:

– إسماعيل، قم يا ولدي، اذهب إلى الحقل وأحضر سلة التفاح، وخذها إلى بيت السيد.

 لم يكن يكره الأرض، فلقد زرع أبوه في نفسه حبها رغماً عنه.

 لكنه كان يبغضه هو، كان يبغض خيال المآتة، ذلك القبيح المنتصب عند مدخل الحقل.

كان يكره ابتسامته الكاذبة، كان كلما تجاوزه إلى الحقل التفت خلفه، فرآه ينظر إليه، لم يكن يدري سر ابتسامته: أتراها كانت ابتسامة القوي المستهزئ، كأنه يقول له: لن تهرب مني يا هذا، فمن عندي تدخل، ومن عندي تخرج؟

أم هي ابتسامة المتباهي؟ ولم لا؟ فقد كان السيد يحبه ويهتم به، بقدر ما كان يقسو على إسماعيل وأبيه.

 كان يرى فيه صورة الظلم الصارخة، لا ينسى إسماعيل أبداً حين كان السيد يأتي إلى أبيه أيام العيد، يلقي إليه ثوباً جديداً ويقول له:

– خذ هذه يا صالح، هذه ثياب جديدة للفزاعة، يجب أن تكون في أفضل صورة، هيا، قم وألبسها ثياب العيد.

 وينصرف مقهقهاً، بينما كان إسماعيل يجلس في زاوية الكوخ، يقلب نظره بين ثوب الفزاعة الجديد، والأسمال البالية التي كان يرتديها هو، ويحاول جاهداً أن يخفي دموعه، خوفاً من أبيه.

 لكن أشد ما كان يثير حنقه على خيال المآتة هو كذبه وخداعه، كثيراً ما سمع السيد وهو يخاطب أباه باحتقار حين لا يرضيه محصول الأرض:

– أنت عديم الفائدة يا صالح، لا فائدة منك، والله إن الفزاعة أكثر فائدة لي منك، على الأقل هي تحرس الأرض وتحافظ عليها.

 كان إسماعيل يتسلل أحياناً من الكوخ حين تشتد شمس الظهيرة، وتسف الريح الرمال في الوجوه، يقف خلف كومة القش اليابسة، ويراقب الفزاعة من بعيد.

– لعنة الله عليك أيها الكذاب المخادع.

 هكذا كان يهمس لنفسه وهو يرى الغربان تأتي فتحط على رأس الفزاعة وذراعيها الممدودتين، وتتصايح فرحة آمنة. ثم تتحول إلى الثمار فتأكل منها أو تتلفها. كان غضبه يزداد حين يلاحظ من بعيد تلك الابتسامة الكريهة على وجهها، لم يكن يشك أن بينها وبين الغربان اتفاقاً ما.

 طفح به الكيل ذات مرة، فلما جاء وقت النوم، قال لأبيه:

– ليتك يا أبي تقضي على هذا الكذاب فتريحنا من شره.

– اسكت يا إسماعيل، اسكت! إياك أن يسمعك السيد أو عبيده أو حتى أبناؤه. إياك أن تمس الفزاعة بسوء، لكل شيء يومه يا إسماعيل، لكل شيء يومه!

عاد إسماعيل من ماضيه على صوت امرأته تهزه وتناديه:

– أبا صالح، يا أبا صالح، أين ذهبت يا رجل، لماذا لا تجيب؟

– ها! ها! عذراً يا أم صالح، نعم ماذا كنت تقولين؟

– كنت أسألك عن الفزاعة يا رجل، ماذا فعلت بها؟ لا تقل لي إنك حطمتها!

– نعم يا أم صالح، لقد حطمتها، هويت عليها بالفأس، حتى استحالت قطعاً.

– ماذا؟ يا ويلتي! هل جننت يا أبا صالح؟ هل نحن بحاجة إلى المزيد من المشاكل مع السيد وعبيده؟ ألا تذكر ما حدث في المرة السابقة؟

– بل أذكر يا أم صالح، أذكر جيداً، أذكر كيف ذقت سياط السيد لمجرد أنني ركلت المأفون أمامه. كنت كلما مررت من جانبه انكفأ علي فمزق ثوبي أو جرح ساعدي. كأنه كان يحمي الأرض مني يا أم صالح، بينما يتركها كلأً مشاعاً للغربان. آه! كم زاد كرهي له يومها يا أم صالح!

– أنت تذكر جيداً إذن يا أبا صالح! فما الذي فعلته؟ لماذا تجر على نفسك المصائب؟

– إنها أرضنا يا أم صالح، إنها أرضي، ولو كنت أستطيع يومها أن أركل السيد نفسه لما ترددت، لكن يومه سيأتي إن شاء الله يا أم صالح. سيأتي قريباً. رحمة الله عليك يا أبي: كان دائماً ما يقول لي: هذه أرضنا يا إسماعيل، هذه أرضنا، ربما أموت اليوم أو غداً، لكنك ستبقى إن شاء الله، وستبقى الأرض من بعدك، تذكر هذا يا إسماعيل، إياك أن تنسى هذا، هذه أرضك يا إسماعيل، كما كانت أرض جدك وأبيك، وستكون أرض أبنائك من بعدك.

– رحمة الله عليك يا عمي.

 قطع الحديث صوت طرق عنيف على الباب.

– إسماعيل، يا إسماعيل، افتح الباب، أسرع فالسيد يريدك، هيا أسرع يا….

 ارتسمت على وجه إسماعيل ابتسامة واثقة، قال وهو يضم زوجته العجوز إلى صدره:

– لا تقلقي يا أم صالح، لن أتأخر إن شاء الله، الصبر الصبر يا أم صالح، هذا هو قدرنا، لكننا لن نرضى بعد اليوم أن نسكت على مأفون يقف مع اللص في وجه صاحب الحق.

 – افتح الباب يا إسماعيل، افتحه وإلا…

 لم يكد إسماعيل يخطو خارج البيت، حتى تكالب عليه العبيد يجرونه. كان يمشي بينهم مرفوع الرأس، حتى كأنه كان يطأ بنعاله رؤوسهم.

 وهناك، عند خط الأفق، كان عبيد السيد يرفعون مكان الفزاعة اثنتين مثلها.

التفت إلى الكوخ، كانت أم صالح تقف عند الباب، تأبى أن يرى العبيد منها دمعة.

ناداها إسماعيل:

– سأعود يا أم صالح، لن أتأخر.

 – في حفظ الله يا أبا صالح، الصبر الصبر، لا تتأخر علينا يا أبا صالح.

ثم قالت تكلم نفسها:

– لا تتأخر يا أبا صالح، سأكون في انتظارك، وستكون الفأس جاهزة!

 (تمت بحمد الله)

 

4 تعليقات على “خيال المآتة – قصة قصيرة”

  1. بنت الخالدات أضاف بتاريخ

    قصة عميقة الأثر والمعاني…

    سلمت يداك على ماخطته يمناك ياخال..

    نترقب جديدك بكل شوق…

  2. طارق أضاف بتاريخ

    الحقيقة لم أفهم المغزى من القصة
    يا ريت تكتب الخلاصة في المرة القادمة للبسطاء أمثالي

  3. admin أضاف بتاريخ

    عزيزي طارق
    سعيد بتفاعلك، لست بسيطاً أبداً يا صاحبي، سؤالك على العين والراس

    هذه القصة رمزية، والقصص الرمزية عادة تترك للقارئ إسقاطها على الواقع حسب ظروفه واهتماماته وبيئته، بل يمكن أحياناً للقارئ الواحد إسقاط القصة على أكثر من مثال في حياته الواقعية أو في العالم من حوله. لذا فالحديث عن مغزى القصة يفقدها رمزيتها.

    القصة باختصار تتحدث عن 3 شخصيات: شخصية السيد المستبد الظالم، وشخصية خيال المآتة (الفزاعة) المنتصبة عند الأفق تحمي الظالم وتعينه على المظلوم، مع أنها فزاعة لا تملك من أمر نفسها شيئاً، وهي مثال للضعف والتظاهر بالقوة في آن واحد والذي لا ينطلي إلا على الطيور الضعيفة.
    والشخصية الثالثة هي شخصية المظلوم المغلوب على أمره الذي قد يأتي اليوم الذي ينتفض فيه على الظالم والفزاعة.

    دمت بخير، ولا تحرمنا زياراتك وتفاعلك الجميل

  4. طارق أضاف بتاريخ

    بارك الله فيك على الشرح يا غالي

شارك بتعليقك

*