حكايات كليلة ودمنة (3 من 5)

قال دمنة: يا كليلة، مخطئ من ظن أن النجاة من الدنيا لا تكون إلا بنسيان لذات النفس، والتنكر لشهواتها ورغباتها. ألا ترى يا كليلة أن ذلك ينافي عدل الإله العادل، إذ كيف يركّب فيهم تلك الغرائز والشهوات، ثم يأمرهم بالتنكر لها وتجاهلها.

ليس الأمر كما فهمت يا كليلة، فليس في الأخذ من الدنيا من بأس إذا كان أخذ العاقل الحكيم، يسرع في سيره كي يبلغ غايته، ويأخذ معه من الزاد ما يبلّغه، لا ما يثقل عليه ويؤخره، إذ أن هذا هو عين الحمق والسفه. وما مثل الراتع في دنياه، الغافل عن آخرته إلا كمثل الراهب الأحمق.

قال كليلة: وما خبر ذلك الراهب؟

قال دمنة: زعموا أن رجلا من بني إسرائيل أسرف على نفسه، وانقاد خلف لذاته وشهواته، وأعمته الأموال والنعم عن الحق، فعاش لا يعرف في الدنيا معروفاً ولا ينكر منكراً.

ثم إن الرجل أفاق يوماً من غفلته، وللنفس كما تعلم لحظات منام ويقظة، فرأى الناس ملتفتين إلى عبادتهم بقدر التفاته هو إلى شهوته، فعاهد نفسه أن يكون في العبادة أفضلهم، كما كان في الغي أبعدهم. فأمر ألا يناديه الناس إلا فلاناً الراهب، واختار له بقعة من الأرض على رأس جبل، وأقبل يبني فيها صومعته، وعاهد نفسه ألا يركع لله ركعة حتى يتم البناء كخير ما يكون البناء. وكان كلما نظر إلى صومعته قال: لو صنعت فيها كذا لكان أفضل، ولو غيّرت فيها هذا لكان أحسن، حتى أدركه الموت وهو لم يركع لله ركعة.

فانظر بالله عليك إلى هذا الأحمق كيف صرفته الوسيلة عن الغاية، وقد كان يكفيه أن يتخذ لصلاته داراً لا أن يبني لها قصراً.

إنني لا أعتب عليك يا كليلة أن تأخذ من الدنيا بالمعروف، إنما إنكاري عليك أن تكون كبعض من سبقوك من قومك. زعموا أنهم لا يعملون إلا لآخرتهم ولصالح قومهم، فلما يسّر الله لهم الوصول إلى غاياتهم، وأحسوا بلذة الدنيا والنعماء، نسوا ما كان من عهودهم، وتناسوا آخرتهم، وتنكروا لقومهم. فأنت تراهم على الدنيا متكالبين، وعن الآخرة راغبين، لا يصلون من قومهم إلا من كان في صلته زيادة في الدنيا وحظها لأنفسهم. فهؤلاء هم الغافلون عن حقيقة الدنيا، الذين انشغلوا عن غايتهم بما كان ينبغي أن يكون وسيلة لهم تبلغهم مرادهم.

إن العاقل يا كليلة في سباق مع الدنيا، يرى في الدنيا وحشاً كاسراً، لا يسعى إلى ترويضه إلا ليأمن على نفسه، ثم يسرع في سيره إلى هدفه. ينظر إلى من سبقوه فلا يكون همه إلا اللحاق بهم، لا يلتفت وراءه إذ أن في الالتفات يكون التأخر والهلاك.

يا كليلة: إن الشقي من أنساه جمال الطريق خطورة الهدف، وحريّ بمثل هذا أن يُهلك نفسه وقومه، كما فعلت الأرنبة بقومها، ولعلنا أن نلتقي من الغد فأخبرك الخبر.

(نشرت في مجلة الإصلاح (نشرة الراصد سابقاً) -العدد 72- ديسمبر 1998م)

يتبع…

 

شارك بتعليقك

*