بين جد الدعوة وهزل الدعاة

 

تزخر الحضارة الإسلامية العظيمة بنماذج مشرقة، تركت بصماتها على صفحات التاريخ، نماذج وجدت نفسها أمام أحد خيارين، إما أن تعيش على هامش الحياة كما يعيش أكثر الناس، فلا تتأثر بنازلة، ولا تتطلع إلى عالية، حتى إذا جاء الأجل، كانت كشرارة في فلاة، انقدحت ثم أنطفأت، ولما يشعر بها أحد؛ وإما أن تعيش للهدف الأسمى الذي خلقها الله من أجله، تطوي في ابتغائه أيامها، وتفني في سبيله شبابها، ولا تستشعر لذة إلا في السعي إليه والعمل له؛ فاختارت أن تكون في قلب الحياة، بل أن تكون قلب الحياة، حتى إذا دعا داعي الرحيل، وغيبها التراب، شعر الناس كأنما قد اقتطع الموت قطعة من قلوبهم فذهب بها.

غير أن صفحات التاريخ تعلمنا أن العلياء لا تنال إلا بإنهاك الأجساد،

وإذا كانت النفوس كباراً                تعبت في مرادها الأجسام

ومن الحمق أن يظن ظان أن ميزان الله العادل يساوي بين العامل والخامل، أو أن المعالي قد تنال بالأمنيات:

فقل لِمُرَجِّي معالي الأمور      بغير اجتهاد: رجوتَ المحالا

إن التاريخ يعلمنا أنه ما من زاد أبلغ في طريق المعالي من الجد. وليس المراد بالجد هنا عبوس الوجه أو قلة الضحك، إنما المراد به أن يحيا الإنسان لفكرته، فتغدو همه الذي ينفي من الهموم ما عداه، وحياته التي ليس بعدها حياة، يشغل فيها فكره، فتشغل عليه فكره.

إنك تجد معشر الدعاة على صنفين: أحدهما تراه فلا ترى فيه إلا دعوته، قد لبسته ولبسها، فهي معه تزينه ويحرسها، لا يكاد يفرغ من شأن حتى يبدأ في شأن، كأن نفسه قد علمت طول الطريق وقصر الأجل، فهو يغذ السير أبداً يرجو الوصول، يخشى إن جلس أو أبطأ أن يعاجله الموت أو تلهيه حادثات الأيام، يصدق فيه وصف النبي صلى الله عليه وسلم: “من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة”.

وصنف حسب الدعوة هزلاً، يرى القمة في الأعلى هناك، بيد أن همته لا تزال تقعد به، حتى يظن سفهاً أن القمة ستنحط إليه حتى يطولها بيديه وهو جالس لم يبرح مكانه. وهؤلاء تراهم على ضربين: أما أحدهما فقد علم دنو همته، فرضي من نفسه بما رضيت منه، فلم تعد تقض مضجعه قضايا أمته، ولا حاجات دعوته، قد انكفأ على نفسه وأهله، فهو دائم السعي في معاشه ومعاشهم، حتى إذا ما جئت يوماً تذكره بحق الله عليه، وحاجة دعوته إليه، رد عليك بالشكوى من ثقل الحياة، وأعباء العيال، وانبرى يحاول إقناعك بأن لا شيء في الدنيا يعدل عند الله خدمة المرء لأهله، وقيامه بشؤون عياله، وقام عنك مسرعاً يتعلل بكثرة الأعمال وتراكم الواجبات.

وأما الآخر فلا يفتأ يتحرى الأسباب ليلقي باللوم على من سواه، يشكو مر الشكوى من هجران الإخوان، وسوء التنظيم، وحب الضمور، يحسب أن الله سيحاسب غيره على خموله وقعوده، ونسي أن الله -وإن أمر بالجماعة- لا يحاسب الناس إلا فرادى. لم يسمع قول ابن قتيبة: “ذو الهمة إن حُطَّ، فنفسه تأبى إلا عُلُوّاً، كالشعلة ِ من النار يُصَوِّبُها صاحبها، وتأبى إلا ارتفاعا”.

لقد مر على المسلمين زمان هو عند الله أشرف منزلة من زماننا، كانوا أعزة أسيادا، لكن الله لم يرض منهم بالأقوال دون الأفعال، فكيف يظن ظان في هذا الزمن الكئيب أنه يكفيه انتظار النصح والتوجيه، فإن لم يجد حسب نفسه عند الله معذوراً؟

إن الدعوة إلى الله ميراث الأنبياء، ولن ينال شرفها إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها، فجد الدعوة لا يحتمل أبداً هزل الدعاة.

(نشر في مجلة الإصلاح – العدد 143 – فبراير 2007م)

شارك بتعليقك

*