الأبوّة

 

قال صاحبي وقد رآني ممسكاً ذراع ابني الصغير: (ما شاء الله، بارك الله فيه). ثم أضاف: (أسمع عن شعور الآباء والأمهات، وأنه لا يحس به إلا من رزقه الله الولد، فهل هذا صحيح؟ هل صحيح أن حياة الإنسان تنقلب تماماً حالما يصبح أباً؟).

 

قلت: لقد والله ذكرتني حياة مضت كدت أنساها، بأيام لم أكن أفهم فيها كلمة الحياة كما أفهمها اليوم.

قال: أتقول ذلك وأنت أب لواحد؟ فماذا يقول أبو الستة والسبعة؟ ألهذا الحد تثقل مسؤولية تربية الأبناء حتى تغدو كالهم؟

قلت: دعك من مسؤولية تربية الأبناء يا صاحبي، فليس هذا ما أعنيه، إنما أعني ذلك الانقلاب الذي تسأل عنه، تلك الحياة التي تتغير تماماً من النقيض إلى النقيض، تتباطأ حركتها حتى تكاد أن تتوقف، وتتصرم أيامها مسرعة حتى تكون الجمعة كيوم أو بعض يوم.

كنت يا صاحبي ممن يعشقون القراءة، أفتح الكتاب فلا أغلقه حتى أنتهي منه، وأعيش بين السطور حتى تنسيني الكلمات ما حولي، ولا أنام حتى أقرأ خمسين صفحة أو أكثر. أما اليوم فلا أكذبك أنني لم أقرأ منذ سنة أو تزيد إلا كتاباً أو بعض كتاب. أفتح الكتاب نهاراً فلا يحلو للولد الجلوس إلا على صفحاته، وأحاول الغوص بين السطور فلا أكاد أستغرق في القراءة حتى ينتشلني صوت بكائه ضارباً أو مضروباً، وأستلقي على الفراش ليلاً كي أقرأ، فتناديني أمه أن أطفئ النور كي ينام الصغير.

وكنت أحب الكتابة، أهرب بها من هموم النفس وأحداث الحياة. وكنت إذا مرت الفكرة بخاطري أخذت القلم فكتبتها في حينها، أما اليوم فإنني لا أكاد أمسك القلم حتى يبكي الصغير يريد أخذه، لا تصرفه عنه أقلام الدنيا وإن اجتمعت، فإن أعطيته إياه وأخذت غيره، تحولت رغبته إلى القلم الذي أخذت. كنت أحسن الكتابة، فأصبحت ممن يجيدون الرسم، أرسم الأرنب والبطة والخروف، وكلما رسمت واحدة طلب الولد المزيد، فإذا ملّ وانصرف جلست أتأمل ما رسمت، لو كانت أذن الأرنب أطول لكان أفضل، ولو كانت رجل الخروف أسمن لكان أحسن، فإذا عدت إلى وعيي وجدت الفكرة التي أردت كتابتها قد طارت، وطار معها الوقت الثمين.

كنت أجلس أمام شاشة الحاسوب -كما يحلو للبعض أن يسميه- أنجز في ساعات ما ينجزه البعض في أيام، لا يحركني من أمامه إلا جوع أو صلاة، فصار الولد يسبقني إلى الجلوس أمامه، والضرب على أزراره -فعل قارعي الطبول في مجاهل أفريقيا- فإن زجرته وأنزلته امتدت يده من تحت الطاولة تعبث بمفاتيحه وفأرته، فلا أملك إلا إخراجه والخروج معه.

كان ثوبي يبقى نظيفاً يومين أو ثلاثة، أفتش بعدها عما يستوجب غسله فلا أجد إلا العرف وإصرار الزوجة أو الوالدة، فصار الثوب لا يبقى علي أكثر من فرضين أو ثلاثة، أركع مع الجماعة فأرى أثر يد أو فم، وبقعة أكل أو شرب، وأخرج إلى أصحابي فلا أسلم على أحد إلا امتدت يده تنبهني إلى بقعة في الثوب لم أنتبه إليها، حتى صرت أحسد أهل الكهوف على عريهم.

قال ضاحكاً: أفهم من كلامك أنك نادم على الزواج والإنجاب.

قلت: سامحك الله يا هذا، إنك لم تذق بعد طعم هذه النعمة، إنهم زينة الحياة يا أخي، إنهم هدية الله. أفهناك أغلى من هدية الله؟

(نشرت في مجلة الإصلاح (نشرة الراصد سابقاً) – العدد 47 – سبتمبر 1995م)

4 تعليقات على “الأبوّة”

  1. بو ياسر أضاف بتاريخ

    أضحك الله سنك يالخال.. كل هذا يطلع من أحمد 🙂

    عيل أخته اشلون!!

    الله يخليهم لك ويبلغك فيهم، الحمد لله هذا أحمد قد كبر وأصبح ما كتبت في طي الذكريات لا أكثر..

    تحياتي وتقديري على المقال المتميز كباقي المقالات 🙂

  2. رجفة قلم أضاف بتاريخ

    صدقت يا عزيزي بوياسر.
    كان عمر أحمد يوم كتبت هذه المقالة سنتين إلا أربعة أشهر 🙂
    ياالله! كم يمضي العمر سريعا!
    أصبح ما كتبت اليوم ذكرى جميلة أضحك منها كلما تذكرتها،
    وتستمر الحياة لتتجدد الآمال والهموم كلما تعاقب الليل والنهار، ولا يملك الواحد منا إلا أن يقول “ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين”.
    تقبل محبتي
    محمود

  3. الفقيرة إلى الله أضاف بتاريخ

    تحياتي لقلم أبدع فعلاً رغم الحرب الضروس التي كانت تشن ضده من ذي السنتين إلا أربعة أشهر ..

    جوزيت خيراً يا أبو أحمد ..

  4. بنت الخالدات أضاف بتاريخ

    أضحكتني ياخال..

    حقّاً مرت السنوات كلمح البصر، فمازلتُ أتذكر ذلك اليوم الذي وقفتُ فيه على عتبات بيت جدي القديم ليلاً أراك تأتي مُسرعاً لتدخل البيت وقد ارتسمت على محيّاك ابتسامه لن
    أنساها فارتسمت على وجهي ابتسامه عريضه فباركتُ لك قدوم أحمد الذي غدى اليوم شاباً كنتُ حينها في التاسعه من عمري…تُرى هل تتذكر هذا الموقف؟

    بلّغك الله بأحمد وأخته كل ماتتمناه وأكثر…آمين..

شارك بتعليقك

*