إنا كفيناك المستهزئين

(نشرت في مجلة الإصلاح – العدد 155 – يونيو 2008م)

يحس المرء بالغربة، ويشعر بالحزن، حين تضيع في عقله مفردات المنطق، وتنقلب من حوله الموازين.

يحزن الصادق حين يتهمه بالكذب الأفّاكون، والأمين حين يرميه بالخيانة السرّاق، والشريف حين يطعنه في شرفه الفسّاق.

لقد جبلت النفوس على إيثار السلامة، ومحاولة البعد عن كل ما يكدر عليها صفو حياتها، فإن كان صاحبها ممن يشار إليهم بالبنان، ويستبشر بقدومهم الناس، ويعرفون بينهم بحسن السيرة وطيّب الذكر، كانت البلوى أشد، والمحنة أعظم.

وفي مواجهة هذا الامتحان، ينقسم الناس إلى قسمين، أما بعضهم فيتلوّن بين الناس تلوّن الحرباء، يلبس لكل حالة لبوسها، يرضى بالباطل، ويسكت عن الحق، فعل الشيطان الأخرس. همه أن يأمن وإن خاف الناس، ويسلم ولو أحيط بالناس، ويربح وإن خسر الناس. يؤثرون الدنيا على ما عند الله، ويستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير.

تروي كتب السيرة أن عقبة بن أبي معيط كان يجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمع منه القرآن، فبلغ أبا جهل أن عقبة -وكان صديقاً له- قد تأثر بالنبي، وأوشك أن يسلم، فجاء أبو جهل إلى عقبة وقال له: وجهي من وجهك حرام حتى تأتي محمداً فتبصق في وجهه. فذهب عقبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ففعل ذلك، إيثاراً لأبي جهل على الله ورسوله. ثم صار عقبة من أشد الناس إيذاء للنبي والمؤمنين، حتى كان يلف رداء النبي صلى الله عليه وسلم حول عنقه وهو يصلى عند الكعبة ويحاول خنقه، وربما انقطع نفس النبي صلى الله عليه وسلم وسقط على ركبيته، والناس ترى ذلك وتضحك.

نعم يضحكون! منهم من يضحك بغضاً للنبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من يضحك حسداً له على ما آتاه الله من فضله، ومنهم من يضحك حباً في عقبة وتشجيعاً له. وأكثرهم الشياطين الخرس، يضحكون ليأمنوا على أنفسهم من أن ينقلب إليهم بطش الظالمين، ويلتف حول أعناقهم كيد الكائدين.

وفي مقابل هؤلاء، يقف الدعاة المخلصون، متمسكين بمبادئهم، لا يضرهم من عاداهم ولا من خذلهم، يسترخصون في الله نفوسهم وأموالهم وأعراضهم، أسوتهم في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان في قومه علَماً، ينزل عليهم فكأنما نزلت عليهم بركات السماء، ويدخل عليهم فلا يملكون إلا أن يهتفوا مستبشرين: (هذا الأمين.. هذا الأمين). فلما جاءهم بالحق ضاقت صدورهم، وما تبدل الأمين، ولا كذب الصادق، وإنما تبدلت نفوسهم، فتعلقوا بالباطل، وآثروا مصالحهم على الله ورسوله.

ويتسرب الحزن إلى قلب النبي صلى الله عليه وسلم، حزن الداعية إذ يرى إعراض الناس عن الحق، وحزن الإنسان حين يرى افتراء الظالمين في مقابل حرصه وإشفاقه عليهم، فتنزل آيات القرآن تثبيتاً لقلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقلب كل داعية من بعده، حين يكتنفه الحزن، ويتسلل إليه الضيق، لما يرى من تنكر الناس، وكيد الكائدين، وصمت الصامتين. تعلمهم كلمات الله أن يلتفتوا إلى ما ينتظرهم عند الله، لا إلى دنيا الناس الخادعة. توصيهم أن يكونوا وقت الشدائد والمحن -وفي كل وقت- متكاتفين أذلة فيما بينهم. تأمرهم أن يصدعوا بالحق مهما كلف الأمر. تبشرهم أن العاقبة للمتقين، وإن طالت ألسنة المستهزئين. وترشدهم إلى أن عليهم -إن تناوشتهم سهام الباطل- أن يتدرعوا بمعية الله، وأن يلوذوا بحماه.

قال تعالى: “لا تمدنّ عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم، ولا تحزن عليهم، واخفض جناحك للمؤمنين. وقل إني أنا النذير المبين. كما أنزلنا على المقتسمين. الذين جعلوا القرآن عضين. فوربك لنسألنهم أجمعين. عما كانوا يعملون. فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين. إنا كفيناك المستهزئين. الذين يجعلون مع الله آلها آخر فسوف يعلمون. ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون. فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين. واعبد ربك حتى يأتيك اليقين.” (الحجر: ٨٨-٩٩).

شارك بتعليقك

*